موقع د.أحمد فواقة

 

 

الرئيسية

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد بن عبدالله وبعد:-

لقد ترددت كثيرا عندما حاولت اختيار موضوع بحثي ،فاخترت موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،ولكن أدركت وللوهلة الأولى أن الموضوع صعب ولن أوفق فيه،ولكن بعون الله وبإصرار مني استطعت تسهيل الصعب وهذا لعدة أسباب منها كي أتعرف أنا والاخرين  بشكل أوسع على أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،والثواب الذي أعده الله سبحانه للامر بالمعروف والناهي عن المنكر.

الباب الاول

الادلة على وجوب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر

اوجب الله سبحانه الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وكذلك رسوله صلى الله عليه وسلم فهو واجب على جميع المسلمين وعلى الامةان تقوم بمهمة الدعوة الى الخير والدفاع عن الدين ورفع منارة الحق والعدل فالامر بالمعروف والنهي عن المنكرواجب والادلة على ذلك من القران والسنة النبوية كثيرة ومن ذلك :

1-قوله تعالى((ولتكن منكم امة يدعون الى الخير وينهون عن المنكرواولئك هم المفلحون))[1]

2- قال تعالى((كنتم خير امة اخرجت للناس تامرون بالمعروف وتنهون عن المنكر))[2]

3- قال تعالى(( وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر))[3]

ومن الاحديث الدالة على ذلك: 

1.    عن ابي سعيد الخدري رضي الله عنه-قال:سمعت رسول الله-صلى الله عليه وسلم-يقول:"من راى منكم منكرا فليغيره بيده،فان لم يستطع فبلسانه،فان لم يستطع فبقلبه،وذلك اضعف الايمان."[4]

2.    عن ام المؤمنين ام سلمة هند بنت ابي امية حذيفة-رضي الله عنهما-،عن النبي-صلى الله عليه وسلم-انه قال: "أنه يستقل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضى وتابع،" قالوا: يا رسول الله ألا نقاتلهم ؟قال:"لا، ما أقاموا فيكم الصلاة."[5]

3.          عن أبي عبدالله طارق بن شهاب البجلي الأحمسي أن رجلاَ ً سأل النبي-صلى الله عليه وسلم-وقد وضع رجله في الغرز[6]:أي الجهاد افضل؟ قال: "كلمة ُحق ٍعند سلطان ٍجائر."[7]

4.       عن حذيفة رضي الله عنه أن النبي-صلى الله عليه وسلم-قال: "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف وتنهون عن المنكر، او ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم."[8]

الباب الثاني

أمر الله تعالى بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليكون الامربالمعروف تاكيداً لأوامره،والنهي عن المعروف تاكيداً لزواجره لأن النفوس الأشرة قد أهتها الصبوة عن إتباع الاوامر وأذهلتها الشهوات عن تذكار الزواجر،فكان إنكار المجانسين أزجر لها، وتوبيخ المخالطين أبلغ فيها ولذلك قال النبي-صلى الله عليه وسلم- "ما أخرَ قوم المنكر بين أظهرهم إلا أعمهم الله بعذاب مختصر".

وإذا كان ذلك ، فلا يخلو حال فاعلي المنكر من أمرين:-

أولا: أن يكونوا أحاداً متفرقين وأفراداًمتبددين ،لم يتحزبوا فيه ولم يتضافروا عليه ،وهم رعيه مقهورون وأفراد مستضعفون ،فلا خلاف بين الناس أن أمرهم بالمعروف ،ونهيهم عن المنكر مع المكنة[9] وظهور القدرة واجب على من شاهد ذلك من فاعليه وسمعه من قائليه ،وإنما إختلفوا في وجوب ذلك على منكر به، هل وجب عليهم بالعقل أن يمتنع من القبيح ،وجب أيضاً بالعقل أن يمنع غيره منه ،لأن ذلك أدعى إلى مجانبته ،وأبلغ في مفارقته وقد روى عبد الله بن المبارك رحمه الله قال : قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-:"إن قوماً ركبوا سفينة ،فاقتسموا ،فأخذ كل واحد منهم موضعاً،فنقر رجل منهم موضعه بفأس فقالوا :ما تضع؟ فقال :هو مكاني أضع فيه ما شئت :فلم يأخذوا على يديه مهلك وهلكوا" وذهب اخرون الى وجوب ذلك بالشرع دون العقل،لأن العقل لو أوجب النهي عن المنكر وضع غيره من القبيح ،لوجه مثله على الله تعالى ،ولما جاز ورود الشرع بإقرار اهل الذمة على الكفر ،وترك النكير عليهم ،لأن واجبات العقول لا يجوز إبطالها بالشرع ،وفي ورود الشرع بذلك دليل على أن العقل غير موجب لإنكاره .فاما إذا كان في ترك إنكاره مضرة لاحقة بمنكر وجب إنكاره بالعقل على القولين معاً،فأما إن لحق المنكر مضرة من إنكاره ،ولم تلحقه من كفه وإقراره لم يجب عليه الإنكار بالعقل ولا بالشرع .أما العقل فلأنه يمتنع من إجتلاب المضار التي لا يوازيها نفع وأما الشرع فقد روى ابو سعيد الخدري عن النبي-صلى الله عليه وسلم-أنه قال:"أنكر المنكر بيدك،فإن لم تستطع فبلسانك ،فإن لم تستطع فبقلبك ذلك أضعف الإيمان"، فإن اراد الاقدام على الانكار مع طوق المضرة به ،نظر،فإن لم يكن إظهار النكير مما يتعلق باعزاز دين الله ولا إظهار كلمة  الحق لم يجب عليه النكير،إذا خشى بغالب الظن تلفاً او ضرراً ولم يحسن منه النكير أيضاً وإن كان في إظهار النكير إعزاز دين الله تعالى ،وإظهار كلمة الحق ،حسن منه النكير ،مع خشية الإضرار والتلف،وإن لم يجب عليه إذا كان الفرض قد يحصل له بالنكير وإن انتصر أو قتل وعلى هذا الوجه ،فأما إذا كان يقتل قبل حصول الفرض،قبح في العقل أن يتعرض لإنكاره وكذلك لو كان الإنكار يزيد المنهي إغراء بفعل المنكر ونجاحاً في الإكثار منه،قبح في العقل بإنكاره.

ثانياً:أن يكون فعل المنكر من جماعة قد تضافرت عليه،وعصبة قد تخربت ودعت اليه،فقد إختلف الناس في وجوب إنكاره على مذاهب شتى:فقالت طائفة من أصحاب الحديث وأهل الاثار :لا يجب إنكاره والاولى بالانسان ان يكون ملازماً،غير منكر،وقالت طائفة أخرى ممن يقول بظهور المنتظر :لا يجب إنكاره ولا التعرض لإزالته ،الا ان يظهر المنتظر فيتولى إنكاره بنفسه ويكونوا حينئذ أعوانه وقالت طائفة أخرى منهم الأصم:لا يجوز للناس إنكاره ،إلا أن يجتمعوا على إمام عدل فيجي عليهم الإنكار معه.

الباب الثالث

حسنات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

قال الله تعالى: "وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ"[10]

للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حسنات جمة، منها ما ذكره خالد المصلح[11]

1.    انقماع الفساد وأهله،

2.     و انخناس الشيطان وجنده،

3.     واندحار الشر وحزبه، ويضيف خالد المصلح[12] قائلا: "فكلما نشط الخير ضعف الباطل وكلما أشرع المعروف أعلامه طوى الشر والفساد شراعه." لان حياة الباطل ساعة وحياة الحق الى قيام الساعة.

 قال الغزالي[13] رحمه الله في بيان سوء عاقبة ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: "ولو طوي بساطه وأهمل علمه وعمله لتعطلت النبوة واضمحلت الديانة وعمت الفترة وفشت الضلالة وشاعت الجهالة واستشرى الفساد واتسع الخرق وخربت البلاد وهلك العباد". وقال سفيان الثوري[14]: "إذا أمرت بالمعروف شددت ظهر المؤمن وإذا نهيت عن المنكر أرغمت أنف المنافق" وقال عثمان بن عفان[15]: "ودت الزانية لو زنى النساء كلهن". وحسب ما يذكر خالد المصلح[16] أن "ظهور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تحاصر به الرذيلة وتنقمع به المعصية ويقع الرعب والخوف في قلوب أرباب الفساد والمعاصي، وهذا مشاهد ملموس فهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ما هي عليه إلا أن لها من الهيبة والرهبة في صدور المفسدين ما يعرفه المجربون المطلعون."

الباب الرابع

اهمية توضيح قواعد وضوابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

من الواضح ان الامة ما تزال تجهل عن هذا الأمر إلا من رحم الله تبارك وتعالى، ولكن ذلك لا يعني أن نغفل عن هذه القواعد والضوابط الشرعية، التي يتحقق بها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولعل من أسباب ذلك وجود توبة وعودة إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى من قبل الشباب ومن قبل الشيوخ -الذكور والإناث- فأصبحت الأمة الإسلامية على أبواب فجر جديد بإذن الله تبارك وتعالى.

إن هذه القواعد والضوابط تحتاج إلى أكثر من رأي وأكثر من اجتهاد، لأنها مسائل تتبع في الغالب المصالح التي يتحقق بها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمصالح متجددة بحسب العقول، الأزمان، والأحوال، ولهذا ينبغي لنا جميعاً أن نجتهد وأن نفكر، من كان مستطيعاً لذلك ليصل بإذن الله إلى ما يحقق المصالح، وإلى ما يدفع المفاسد في هذا الجانب، ولكن لا يمنع ذلك أن نبدأ بخطوة أو خطوات  

من اجل تحقيق ذلك فهناك العديد من الامور من اهمها:-.

الأمر الاول: ليس المقصود من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: التشفي أو الثأر أو الانتقام من هذا الواقع المر، أو من هؤلاء العصاة وإن جاروا وإن بغوا على أهل الحق والخير، وإنما هو جزء من الدعوة إلى الله، فالصبر فيه صبر على الدعوة إلى الله.

والأمر الثاني: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له أولويات؛ فلا بد أن نقدم المنكر الأكبر في الإنكار، ثم المنكر الأصغر منه. وحياة الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ  وَسَلَّمَ كلها شاهدة على ذلك، حيث بُعث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والناس يزنون، ويئدون البنات، ويشربون الخمر، ويقطعون الأرحام، ويأكلون الميتة، ويشركون بالله تبارك وتعالى ويعبدون غير الله. فبماذا بدأ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دعوته وإنكاره على المشركين؟ لقد بدأ بالنهي عن الشرك أولاً. فإذاً نبدأ بإنكار الشرك، لأن الشرك هو المنكر الأكبر، وهو الذنب الأعظم: "إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يشاء". ونحن دعاة وهداة نريد أن ندعو الناس إلى طريق الجنة.

 

الباب الخامس:-

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتحذير من التفرقة

قال تعالى:"ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينت وأولئك لهم عذاب عظيم-يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم  بعد إيمنكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون-وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خلدون- تلك ءايت الله نتلوها عليك بالحق وما الله يريد ظلما للعلمين- ولله ما في السموات وما في الارض وإلى الله ترجع الأمور".[17] ويجب على الأمة أن تقوم بمهمة الدعوة إلى الخير،والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،ورفع منارة الحق والعدل،فالمسلمون جميعا مكلفون بتكوين جماعة خاصة للدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،فهذه الجماعة المكونة لها حق الإشراف والتكوين والتوجيه والحساب والعمل على خدمة المسلمين على أن يتوافر فيها شروط منها:العلم الديني والعلوم التي يحتاج إليها من يخاطب الناس،ويؤثر فيهم ،والتقوى والتخلق بأخلاق الأنبياء،وأن يكون الداعية مثلا أعلى في الخلق الكامل،ولنا في رسول الله أسوة حسنة. فإذا توافرت هذه الشروط في الأمة لا بد أن تكون العزة والكرامة لها،فلا تكونوا أيها المسلمون كالذين تفرقوا واختلفوا اختلافا كثيرا،كما حصل لليهود والنصارى،الذين تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،ولم تكن فيهم أمة تهديهم إلى الخير وترشدهم إلى الطريق،والاختلاف المنهي عنه هو:الاختلاف في الأصول العامة للدين،وتحكيم الهوى،وإدخال السياسة المذهبية،والبعد عن مناهل الشريعة .

والأمة التي فيها من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر،فأولئك جميعهم المفلحون،وأولئك المختلفون المتفرقون،التاركون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لهم عذاب عظيم لا يعرف له حد ولا يدرى له كنه،فالمؤمنين تبيض وجوههم وتشرق،ويسعى نورهم بين أيديهم ،وتسود وجوه الذين لم يتواصلوا بالحق والصبر ،من أهل الكتاب والمنافقين، وتظلم وتكتئب حينما يرون ما أعد لهم  من العذاب المقيم.

وقد وصفوا كذلك بأن الذل قد ألصق بهم حتى أثر فيهم ، كما يؤثر الضرب في النقد[18]، فلا خلاص لهم من الذل أبدا،إلا بسبب عهد لهم من الله، وهو ما قررته الشريعة لهم من المساواة في الحقوق والقضاء،

،  وتحريم الإذاء وعهد من الناس ،وهو ما تقتضيه المشاركة في الوطن ،والحاجة والانتفاع في الصنعة والتجارة،وصاروا مستحقين لغضب الله وسخطه،فهم في الذل والحاجة،ولا شك انهم كذلك أبدا،وإن كانوا أغنياء ،لأنهم ورثوا صفات الذل وضعف النفس ،بل باعوا الشرف لأجل المال

وهذه الصفات ،بسبب:أنهم يكفرون بايات الله ويقتلون الأنبياء ،معتقدين أنهم على حق فيما يفعلون.

الباب السادس

القواعد والضوابط التي يجب الاهتمام بها في حال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي:

أولاً: أن نبدأ بإنكار المنكرات الظاهرة، أو بعبارة أخرى: أن نهتم بإنكار المنكرات الظاهرة أكثر من اهتمامنا بإنكار المنكرات الخفية والمستترة.

وهذه القاعدة تحقق المصالح جميعاً، حيث تحقق القضاء على المنكر الظاهر، وتحقق القضاء على المنكر الخفي، ولكن بعض الدعاة إلى الله والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر لا يفطنون إلى ذلك، ولو نزلنا إلى أرض الواقع، وتأملنا فيما حولنا في المجتمع، واتخذنا أمثلة على ذلك لوجدنا أن هذا الأمر واضح.

ماذا تقول الأمة المؤمنة في الصلاة؟ سيقولون: إنها واجبة ولا شك، فالصلاة لا يجادلك فيها إلا من مرق من الدين، لكن المقصود أن الصلاة ليست موضع نقاش.

ولكن صلاة الجماعة نجد أن الأمر أقل فيوجد من يناقش فيها، ويوجد من يحافظ على الصلاة ولكن في بيته، ويوجد من يشرب الخمر، ومن ينشئ مصانع للخمور ويوزعها، ويوجد من يهرب المخدرات.

ونحن هنا نعني ترك صلاة الجماعة أولاً ولندع الحديث الآن عن الصلاة ذاتها، لأن تارك الصلاة الذي لا يصلي أبداً هذا كافر لا حظ له في الإسلام، لكن نتحدث عن الذين يتركون صلاة الجماعة ويقولون: نصلي في البيت، أو بعد نصف ساعة، أو بعد قليل.

أي الأمرين أولى بالإنكار: أن أذهب إلى هؤلاء الذين في المقاهي أو على الطرقات ولم يحضروا الجماعة فأنكر عليهم، أو أن أذهب لأتتبع مصنعاً من مصانع الخمر لأقضي عليه؟

إن الواجب في الحقيقة هو أن نبدأ بالقضاء على المنكر الظاهر، فالمنكر الظاهر شيوعه وانتشاره مما يوجب غضب الله تبارك وتعالى ومقته، وأما المنكر المستتر فإنه مستتر بذاته وما يزال دون درجة الشيوع، وإنما يظهر ويشيع المنكر المستتر إذا تركت المنكرات الظاهرة حتى تصبح معروفاً، فإذا أصبحت المنكرات الظاهرة معروفاً انتقل المنكر المستتر إلى أن يصبح منكراً ظاهراً، وهكذا الحال.

ونحن في هذا المجتمع عايشنا هذا الأمر، بل كل العالم الإسلامي، فقبل ثمانين أو سبعين سنة أو ما أشبه ذلك لم يكن في العالم الإسلامي وفي جزيرة العرب بالذات من يحلق لحيته أبداً، وأول من علمنا هذه العادة هم الغربيون -الإنجليز وأتباعهم- لما جاءوا إلى بلاد المسلمين، فالناس في المدن والقرى لا يفعلون هذا المنكرالظاهر.

مثال آخر: التدخين كيف كان حال الذي يدخن قبل أربعين أو ثلاثين سنة، كان منكراً ظاهراً كبيراً لكن لما سُكت عن هذين المنكرين، ووقع ما وقع في شأنهما، حتى أصبحا الآن كأنهما شيء مباح، وعند الذي ينكر المنكر أصبحت أقل شأناً؛ لأن التهاون وقع بل أصبح عند كثير من الناس أن الإنكار أو الحديث عن هذه الأمور أمر لا قيمة له.

فإنسان يتحدث عن حلق اللحية والتدخين إنسان متخلف! والذي يتحدث عن غطاء الوجه، وأنه يجب على المرأة أن تغطي وجهها متزمت، ونجدهم يقولون لك: يا أخي! نحن الآن في أمور أخطر من هذا، وأنت تكلمنا في هذه الموضوعات.

أما لو كلمت هذا الإنسان عن الزنا، لقال: نعم لا بأس بهذا.

لكن لماذا ينتشر الزنا؟ ومتى يصبح الزنا منكراً ظاهراً؟

إنما ذلك إذا أصبح التبرج هو المعروف، فإذا أصبح التبرج معروفاً في المجتمع صار الزنا منكراً ظاهراً، ثم بعد ذلك يتحول الأمر فيصبح الزنا هو المعروف -عياذاً بالله- ثم تستمر نفس العملية، ولهذا لما أصبح التدخين كأنه من المعروف أصبح الخمر منكراً، وقد يظهر أحياناً، فلما انتشرت الخمر على نطاق واسع ووفدت المخدرات أصبح الكلام عن الخمر كأنه عفا عليه الزمن، وأصبح المطلوب -الآن- من الخطباء والوعاظ أن يتحدثوا عن المخدرات.

فتجدهم يقولون: يا شيخ! لا تتكلم عن الخمر، فهو بسيط، والمصيبة الكبرى الآن هي المخدرات. فنقول له: هذا صحيح. ولكن إنما انتشرت لأننا تهاونا في السيجارة، وجاء الكأس وتهاونا فيه، فجاءت المخدرات، ولا ندري ماذا يكون حالنا لو تهاونا أيضاً في المخدرات والتهاون حاصل ويجب علينا أن نعترف بذلك؛ لنشجع أنفسنا على أن ندعو إلى الله، وأن نتدارك أنفسنا قبل أن يعمنا الله بعذاب وهلاك ومصيبة من عنده.

الباب السابع:

- علاقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالجهاد :-

إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو قمة الجهاد، خصوصاً وأن المستعمرين للمسلمين لم يستخدموا السلاح -كما هو معروف في الاحتلال- بل استخدموا تفشي المنكرات بين الأمة، فلماذا لا يدعى الشباب إلى الجهاد في هذا المجال، ويوضح لدى الشباب أن الجهاد في هذا المجال أولى من حمل السلاح في أي بلاد .

نعم إنه جزء من الجهاد، والجهاد إنما يكون من أجله: ((أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ))[19].فهذا الإذن بالجهاد، ثم بعد ذلك بين الله تعالى بعدها بآية: ((الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ))[20].فالجهاد يكون من أجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو من الجهاد، ولا بد فيه من الصبر، حتى العبد الصالح لقمان قال لابنه: ((يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ))[21].فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مقترن بالصبر كما أن الجهاد مقترن بالصبر.

إذاً الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو من الجهاد، ولا يمكن لأمة أن تجاهد عدواً وتنتصر عليه والمنكرات متفشية فيها، فأمة تغلب أعداءها بأعمالها، ويغلبها أعداؤها بذنوبها، فإذا تركنا الذنوب تنتشر فلا نطمع في نصر الله بأي حال من الأحوال. ولهذا فمن هو قائم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو قائم على جهاد في سبيل الله، قد قال الله تعالى: ((وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا))[22]. والجهاد في الله أعم من مجرد قتال الكفار، فالجهاد في الله عز وجل هو جهاد الدعوة التي تشمل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وطلب العلم، وإحياء السنة، وقتال الكفار، وكل ذلك من الجهاد في الله الذي قال: ((وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ))[23].

فعلينا جميعاً أن نحث إخواننا على المرابطة في هذه الجبهات العريضة التي فتحها علينا أعداء الله، فأعداء الله لو احتلوا بلادنا بقواعد عسكرية لعرفوا أننا سوف نثور عليهم ونحرر بلادنا من هذه القواعد، ولكن إذا احتلوها بالأفلام الخبيثة وبالمجلات الخليعة، وبالنساء الفاجرات اللاتي يأتين في أشكال مضيفات أو ممرضات أو خادمات، وما أشبه ذلك، وبكل الوسائل التي تقتل الأمة قتلاً، وتدمرها تدميرا.

 

الخاتمة

واخيرا ان الامر بالمعروف والنهي عن المنكر مطلوبا لذاته كما هو ظاهر في الكتاب والسنة حيث  قال تعالى((كنتم خير امة اخرجت للناس تامرون بالمعروف وتنهون عن المنكر)).

وقوله-صلى الله عليه وسلم: "أنه يستقل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضى وتابع،" قالوا: يا رسول الله ألا نقاتلهم ؟قال:"لا، ما أقاموا فيكم الصلاة."

فلقد عرضت لكم في الصفحات السابقة تعريفا للامر بالمعروف والنهي عن المنكر والادلة عليه وضوابطه وحسناته لان الامر بالمعروف والنهي عن المنكر يعدان من أهم مكونات المجتمع الاسلامي، إذ لا وجود حقيقي لمجتمع يغيب عنه من يامر بالمعروف وينهي عن المنكراما اذا وجد فيه امر بمعروف وناهي عن منكر فانه سيكون مجتمع مترابط متماسك تسوده الالفة والمحبة بعيدا عن الفسق والفساد.

 

 

.

 

 

فهرس الايات:-

1. "ولتكن منكم أمة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون".

سورة ال عمران اية 104

2.من الاية 105 الى الاية 109 من سورة ال عمران

3. "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر".

سورة ال عمران اية  110

4."ان الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء"

سورة النساء اية 48

5."وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر".

سورة الكهف اية 29

6."أذن للذين يقاتلون بانهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير".

سورة الحج اية 39

7."الذين إن مكناهم في الارض أقاموا الصلاة وأتوا الزكاة وامروا بالمعروف ونهوا عن المنكر".

سورة الحج اية 41

8."وجاهدوا في الله حق جهاده".

سورة الحج اية 78

9."والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا".

سورة العنكبوت اية 69

10."يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانهى عن المنكر واصبر على ما اصابك إن ذلك من عزم الامور".

سورة لقمان اية 17

 

 

 

 

فهرس الاحاديث:-

1."أنه يستقل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم،ولكن من رضى وتابع،"قالوا يا رسول الله ألا نقاتلهم؟قال:"لا:ما أقاموا فيكم الصلاة".

رواه مسلم.

2."أي الجهاد أفضل؟قال"كلمةحق عند سلطان جائر".

رواه النسائي باسناد صحيح.

3."إن قوما ركبوا سفينة،فاقتسموا،فأخذ كل واحد منهم موضعا،فنقر رجل موضعه بفأس فقالوا:ما تضع؟فقال،هو مكاني أضع فيه ما شئت:فلم يأخذوا على يديه فهلك وهلكوا".

4-"أنكر المنكر بيدك،فإن لم تستطع فبلسانك،فإن لم تستطع فبقلبك،وذلك أضعف الايمان".

رواه مسلم.

5."ما أخر قوم المنكر بين أظهرهم إلا أعمهم الله بعذاب مختصر".

6."والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف وتنهون عن المنكر،أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه،ثم تدعونه فلا يستجاب لكم".

فهرس المراجع:-

-أدب الدنيا والدين،لابي الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري ،1978م

-في رحاب التفسير ،عبد الحميد كشك

www.almosleh.com/files/sound/khotab/maruf.doc

www.al-eman.com/quran

 

 

 


[1]     سورة ال عمران اية 104

[2]    سورة ال عمران اية 110

[3]   سورة الكهف اية 29

[4]   رواه مسلم

[5]   رواه مسلم

[6]   الغرز:بعين معجمة مفتوحة ثم راء ساكنة ثم زاي وهو ركاب الحمل اذا كان من جلد او خشب وقيل لا يختص  بجلد ولا خشب

[7]   رواه النسائي باسناد صحيح

[8]  رواه الترمذي وقال:حديث حسن

[9]  المكنة بالضم :القدرة والاستطاعة(تاج عروس)

[10]   آل عمران:104

[11]  مرجع على الصفحة الالكترونية: www.almosleh.com/files/sound/khotab/maruf.doc

[12]  مرجع سابق.

[13]  مرجع على الصفحة الالكترونية إحياء علوم الدين، الجزء الثالث: www.al-eman.com/Quran،

[14]  مرجع على الصفحة الالكترونية: www.almosleh.com/files/sound/khotab/maruf.doc

[15]   مرجع سابق.

[16]   مرجع سابق.

[17]  من الاية 105 الى الاية 109 من سورة ال عمران

[18]  .لصناعة العملات المعدنية أساليب من صنع القوالب قديما والضرب على القوالب لتترك أثرها على وجهي العملة،بينما أصبحت المسألة اليوم بالات أوتوماتيكية،فتخرج قطع بالالاف صورة واحدة.

 

[19]  الاية 39 من سورة الحج

[20]  الاية 41 من سورة الحج

[21]  الاية 17 من سورة لقمان

[22]  الاية 69 من سورة العنكبوت

[23]  الاية 78 من سورة الحج