موقع د.أحمد فواقة

 

 

الرئيسية

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

صفات الله تعالى

 

كل ما ثبت لله عزوجل من الصفات التي اثبتها هو سبحانه وتعالى لنفسه واخبرنا باتصافه بها في محكم الايات من كتابه العزيز كقوله تعالى (فاينما تولوا فثم وجه الله ) وقوله ( كل شيء هالك الا وجهه) وقوله ( واصطنعتك لنفسي) وقوله تعالى ( ويحذركم الله نفسه) وقوله ولتصنع على عيني) وقوله ( ما منعك ان تسجد لما خلقت بيدي) وقوله ( والله يحب المتقين) وقوله ( وهو الذي خلق السموات والارض في ستة ايام وكان عرشه على الماء ) .

وغير ذلك من ايات الاسماء والصفات ذاته تعالى وافعاله عزوجل ) .

أو صح فيم قاله الرسول صلى الله عليه وسلم من الاحاديث النبوية الصحيحة كقوله تعالى صلى الله عليه وسلم عن ربه عزوجل ( يقول الله تعالى : انا مع عبدي حين يذكرني فان ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وان ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم ) متفق عليه وقوله صلى الله عليه وسلم ( لما قضى الله الخلق كتب في كتابه على نفسه فهو موضوع عنده على العرش : ان رحمتي تغلب غضبي ) متفق عليه .

وقوله صلى الله عليه وسلم ( اذا اقمتم الى الصلاة فلا تلتفتوا فان الله يقبل بوجهه الى وجه عبده) رواه ابن خزيمة والبيهقي .

وقوله صلى الله عليه وسلم ( يضحك الله الى رجلين احدهما يقتلت الاخر كلاهما يدخل الجنة) متفق عليه

وقوله صلى الله عليه وسلم ( ان ربي اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولا بعدع مثله )

وقوله صلى الله عليه وسلم في صفة الجنة والنار ( لا يزال يلقي فيها (يعني النار) وتقول هل من مزيد حتى يضع فيها رب العالمين قدمه قينزوي بعضها الى بعض وتقول : قد قد بعزتك وكرمك ) وفي رواية ( قط قط) اخرجاه من حديث انس والايات والاحاديث في هذا الباب كثيرة جدا يحتاج استقصاؤها الى بسط طويل فجميع ذلك حقه التسليم له والقبول فنقول في ذلك ما ذكره الله تعالى عن الراسخين في العلم حيث يقول ( والراسخون في العلم يقولون امنا به كل من عند ربنا وما يذكر الا اولوا الالباب ربنا لا تزغ قلوبنا بعد اذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة انك انت الوهاب ) .

ولا نضرب كتاب الله بعضه ببعض فنتبع ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله

فجميع ايات الاسماء والصفات واحاديثها نمرها صريحة على ظواهرها كما اتت عن الله تعالى وعن رسوله صلى الله عليه وسلم بنقل العدل متصلا الينا كالشمس في وقت الظهيرة صحوا ليس دونها سحاب .

مع اعتقادنا ايمانا وتسليما لما اياه اقتضت من اسماء ربنا تبارك وتعالى وصفات كماله ونعوت جلاله كما يليق بعظمته وعلى الوجه الذي ذكره واراده .

من غير تحريف لالفاظها كمن قال في قوله تعالى ( وكلم الله موسى تكليما) ان التكليم من موسى وان لفظ الجلاله منصوب على المفعولية فرارا من اثبات الكلام كما فعله بعض الجمهية والمعتزلة وقد عرض على ابي بكر بن عياش فقال ابو بكر : ما اقرا هذا الا كافر قرات على الاعمش وقرا الاعمش على يحيى بن وثاب وقرا يحيى بن وثاب على ابي عبد الرحمن السلمي وقرا ابو عبد الرحمن السلمي على علي بن ابي طالب وقرأ علب ابن ابي طالب على سول الله صلى الله عليه وسلم ( وكلم الله موسى تكليما ) يعني برفع لفظ الجلالة على الفاعليه وهو مجمع عليه بيت القراء .

وروى ابن كثير ان بعض المعتزلة قرأ على بعض المشايخ ( وكلم الله موسى تكليما) فقال يا ابن اللخناء كيف تصنع بقوله تعالى ( ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه ) يعني ان هذا لا يقبل التحريف ولا التأويل .

وكما قال جهم بن صفوان لعنه الله في قوله تعالى ( الرحمن على العرش استوى) حيث قال: لو وجدت سبيلا الى حكها لحككتها ولا بدلتها استولى وله في سلف اليهود في تحريف الكلم عن مواضعه حيث قال تعالى لهم ( وادخلوا الباب سجدا وقولا حطة) فدخلوا يزحفون على استلهم وقالوا حنطة . فخالفوا ما امرهم الله به من الدخول سجدا وبدلوا قولا غير الذي قيل لهم جزاؤهم ما ذكره اللله تعالى حيث يقول ) فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون ) وجعلهم الله عبره لمن بعدهم ممن فعل كما فعلوا فسبيله سبيلهم كما مضت سنة الله بذلك ( اكفارهم خير من اولئكم او لكم براءة في الزبر ) .

ومن غير تحريف لمعانيها كما فعله الزنادقة ايضا كتاويلهم ( نفسه) تعالى بالغير وان اضافتها اليه كاضافة بيت الله وناقة الله فعلى هذا التاويل يكون قوله تعالى ( ويحذركم الله نفسه) أي غيره . وقوله ( كتب ربكم على نفسه الرحمة ) أي على غيره ويكون قوله تعالى عن عيسى ( تعلم ما في نفسي ولا اعلم ما في نفسك ) أي ولا اعلم مت في غيرك . ويكون قوله تعالى لموسى ( واصطنعتك لنفسي ) اراد واصطنعتك لغيري وهذا لا يقوله عاقل بل ولا يتوهمه ولا يقوله الا كافر .

وكتأويلهم ( وجهه9 تعالى بالنفس مع جحودهم اها كما تقدم فانظر لتناقضهم البين وهذا يكفي حكايته عن رده .

اما من اثبت النفس واول الوجه بذلك فيقال له : ان الله تعالى قال ( ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام ) فذكر الوجه مرفوعا على الفاعلية ولفظ رب مجرورا بالاضافة وذكر (ذو) مرفوعا بالتبعية نعتا لوجه فلو كان الوجه هو الذات لكانت القراءة ( ويبقى وجه ربك ذي الجلال والاكرام ) بالياء لا بالواو كما قال تعالى ( تبارك اسم ربك ذي الجلال والاكرام ) فخفضه لما كان صفة للرب فلما كانت القراءة في الاية الاولى بالرفع اجماعا تبين ان الوجه صفة للذات ليس هو الذات ولما راى اخرون منهم فساد تأويلهم بالذات او الغير اجاوا الى طاغوت المجاز فعدلوا الى ان تأويله به اولى وانه كما يقال ( وجه الكلام) و (وجه الدار) و (وجه الثوب) ونحو ذلك .

فتكلفوا الكذب على الله تعالى وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم كل التكلف ثم نكسوا على رؤوسهم فوقعوا فيما فروا منه فيقال لهم : اليس الثواب والدار والكلام مخلوقات كلها وقد شبهتم وجه الله تعالى بذلك؟ فأين الفكاك والخلاص ولات حين مناص ( وذلكم ظبكم الذي ظننتم بربكم ارداكم فأصبحتم من الخاسرين) .

وكما اولوا اليد بالنعمة وستشهدوا بقول العرب ( لك يد عندي ) أي نعمة فعلى هذا التاويل يكون قوله تعالى ( بل يداه مبسوطتان ) يعني نعمتاه فلم يثبتوا لله الا نعمتين والله تعالى يقول ( الم تروا ان الله سخر لكم ما في السموات وما في الارض وسبغ عليكم نعمة ظاهرة وباطنة ) ويكون قوله تعالى ( لما خلقت بيدي) اراد بنعمتي فأي فضيلة لادم على غيره على هذا التأويل وهل من أحد لم يخلقه الله بنعتمته؟ ويكون قوله تعالى ( والارض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه) اراد مطويات بنعمته فهل يقول هذا عاقل؟ وقال اخرون منهم (بقوته)  استشهادا بقوله تعالى (والسماء بنيناها بأيد) أب بقوة فيقال لهم : اليس كل مخلوق خلقه الله بقوة؟ فعلى هذا ما معنى قوله تعالى عزوجل ( ما منعك ان تسجد لما خلقت بيدي) واي فضل لادم على ابليس اذ كل منهما خلقه الله بقوته؟ وما معنى قوله تعالى للملائكة : لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان افلم يخلق الملائكة بقوته واي فضل لادم عليهم ان لم يكن خلقه الله بيده التي عي صفته نبئوني بعلم ان كنتم صادقين .

وكما تأولوا الاستواء بالاستيلاء واستشهدوا ببيت مجهول مروري على خلاف وجهه وهو ما ينسب الى الاخطل النصراني :

قد استوى بشر على العراق   من غير سيف ودم مهراق

فعدلوا عن اكثر من الف دليل من التنزيل الى بيت ينسب الى بعض العلوج ليس على دين الاسلام ولا على لغة العرب فطفق أهل الاهواء يفسرون به كلام الله عزوجل ويحملونه عليه مع انكار عامة اهل اللغة لذلك وان الاستواء لا يكون بمعنى الاستيلاء بوجه من الوجوه البتة .

وقد سئل ابن الاعرابي وهو امام أهل اللغة في عصره فقال : العرب لا تقول للرجل استولى على الشيء حتى يكون له فيه مضاد فايهما غلب قيل استولى والله تعالى لا مغالب له ) . هى

وقد فسر السلف الاستواء بعدة معان بحسب اداته المقترنة به وبحسب تجريده عن الاداة ولم يذكر احد منهم انه يأتي بمعنى الاستيلاء حتى انتحل ذلك اهل الاهواء والبدع لا باشتقاق صغير ولا كبير بل باستنباط متخلق وافق الهوى أي يتبع وقد بسط القول في رد ذلك ابن قيم الجوزية رحمه الله في كتابه الصوعق من نيف واربعين وجها فليراجع وكما اول احاديث النزول الى سماء الدنيا بانه ينزل امره فيقال لهم : اليس امر الله تعالى نازلا في كل وقت وحين ؟ فماذا يخص السحر بذلك ؟

وقال اخرون : ينزل ملك بامره فنسب النزول اليه مجازا

فقيال لهم : فهل يجوز على الله تعالى ان يرسل من يدعى ربوبيته وهل يمكن للملك أن يقول: لا اسال عن عبادي غيري من ذا الذي يسالني فأعطيه فاعطيه من ذا الذي يستغفرني فاغفر له .

وهل قصرت عبارة النبي صلى الله عليه وسلم على ان يقول ينزل ملك بامر الله فيقول ان الله تعالى يقول لكم كذا او امرني أن اقول لكم كذا حتى جاء بلفظ مجمل يوهم بزعمكم ربوبيته الملك لقد ظننتم بالله تعالى وبرسوله صلى الهل عليه وسلم ظن السوء وكنتم قوما بورا .

وكما اولوا المجيء بفصل القضاء بالمجاز فقالوا يجيء امره واستدلوا بامره تعالى ( هل ينظرون إلا أن تاتيهم الملائكة أو ياتي امر ربك ) فقالوا في قوله تعالى 0 هل ينظرون إلا أن ياتيهم الله ) ففقالوا هو من مجاز الحذف والتقدير ياتي أمر الله .

فيقال لهم : اليس قد اتضح ذلك غاية الاتضاح أن مجيء ربنا عزوجل غير مجيء امره وملائكته ، وانه يجيء حقيقتا ومجيء امره حقيقتاً ومجيء ملاءكته حقيقة وقد فصل تعال وقسمه ونوعه تنويعا يمتنع معه الحمل على المجاز ذكر تعالى في ايه البقرة مجيئه ومجيء الملائكة وكذا في ايه الفجر وذكر في النحجل مجيء ملائكته ومجيء امره وذكر في ايه الانعام اتيانه واتيان ملائكته واتيان بعض اياته التي هي من امره .

ثم يقال : من الذي يخص اتيان امره يوم القيامة ؟ اليس امره اتايا في كل وقت متنزلا بين السماء والارض بتدبير امور خلقه في كل نفس ولحظة ( يسأله من في السموات والارض كل يوم هو في شان ) وتأولوا النظر الي الله تعالى في الدار الاخرة تعدى بنفسه لا يحتاج الى اداة كما في قوله ( انظرون) الم يضيف الله تعالى النظر الى الوجوه التي فيها الابصار ويعده ( بالى ) التي تفيد المعاينة بالبصر عند جميع اهل اللغة ( قل اانتم اعلم الله ) اولم يفسره النبي صلى الله عليه وسلك بالرؤية الجلية عياناً بالابصار في اكثر من حديث حتى شبه تلك الرؤيا برويتنا الشمس صحوا ليس دونها سحاب تشبيها للرؤية بالرؤيا لا للمريء بالمريء ولم يزل الصحابة مؤمنين بذلك ويحدثون به من بعدهم من التابعين وينقله التابعون الى من بعدهم وهلم جرا فنحن اخذنا ديننا عن حملة الشريعة عن الصحابة عن النبي صلى الله عليه فانتم عمن اخذتم ؟ ومن شبهاتهم في نفي الرؤيا استدلالهم في قوله عزوجل ( لا تدركه الابصار وهذه الايه فيها عن الصحابة تفسيران:

أولهما : لا يرى في الدنيا وهو مروي عن عائشة رضي الله عنها وبذلك نفت ان يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ربه ليلة المعراج .

ثانيهمها : تفسير ابن عباس رضي الله عنهما لا تدركه أي لا تحيط به فالنفي للاحاطة لا للرؤيا وهذا عام في الدنيا والاخرة ولم ينقل عن احد من الصحابة عن طريق صحيح ولا ضعيف انه اراد بذلك نفي الرؤيا في الاخرة هذا تفسير الراسخين في العلم الذين يعلمون تاويل الكتاب هل بينهم من احد فسر الايه بما افتريتموه ؟

ومن افكهم ادعائهم معنى التاييد في نفي ( لم تراني) حتى كذبوا على رسول الهل صلى الله عليه وسلم حديثاً مختلقا لفظه : لن تراني في الدنيا ولا في الاخرة . وهو موضوع مكذوب على النبي صلى الله عليه وسلم بإتفاق أئمة الحديث والسنة ولم يقل احد من أئمة اللغة العربي أن نفي ( لن للتأبيد مطلقاً إلا الزمخشري من المتأخرين قال ذلك ترويجا لمذهبه في الاعتزال وجهود صفات الخالق جل وعلا ، وقد رده عليه أئمة التفسير كإبن كثير وغيره ورده ابن مالك في الكافية حيث يقول

ومن يرى النفي بلا المؤبدا    فقوله أردد وسواه فأعضد

والقائل لموسى ( لن تراني ) هو المتجلي للجبل حتى اندك وهو الذي وعد المؤمنين ( الحسنى وزيادة) وهو الذي قال ( وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة) فإتضح بذلك ان قوله لموسى عليه السلام ( لن تراني) أنما اراد عدم استطاعته رؤية الله تعالى في هذه الدار لضعف القوى البشرية فيها عن ذلك كما قرر تعالى ذلك بقوله تعالى جل جلاله ( ولكن انظر الى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا ) اليه فإذا لم يثبت الجبل لتجلي الله تعالى فكيف يثبت موسى لذلك وهو بشر خلق من ضعف واما في الاخرة فيخلق الله تعالى في اولياءه قوة مستعدة للنظر الى وجهه عزوجل .

وبهذا تجتمع نصوص الكتاب والسنة وتاتلف كما هو مذهب اهل السنة والجماعة واما من اتبع هواه بغير هدى من الله ونصب الخصام او الجدال والمعارضة بين نصوص الكتاب والسنة واتبع ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تاويله وما يعلم تاويله الا الهل ، وضرب كتاب الله تعالى بعضه ببعض وامن ببعض وكفر ببعض وشق الرسول من بعد ما تبين له الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين واضله الهل على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله ؟ اعاذنا الهل وجميع المؤمنين من ذلك ولا ياتي لاحد من اهل التاويل مراده ولا يستقيم له تاويله الا بدفع النصوص بعضها ببعض لا محالة ولا بد فإن كتاب الله تعالى يصدق بعضه بعضاً لا يكذبه كما هو مصدق لما بين يديه من الكتاب ومهيمن عليه وكذلك سنة النبي صلى الله عليه وسلم تبين الكتاب وتوضحه وتفسره وتدل عليه وترشد اليه ولا يشق في ذلك ولا يرتاب فيه إلا من اتخذ الهه هواه وادلى بشبهاته لغرض شهواته 0 بل الذين كفروا في تكذيب والله من ورائهم محيط ) وهذا دابهم في جميع نصوص الاسماء والصفات وانما ذكرناه هذه الجملة مثلا وتنبيها على ما وراء ذلك فمن عوفي فليحمد الله فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهدتي لولا ان هدانا الله .

ولا تعطيل للنصوص بنفي ما اقتضته من صفات الله تعالى ونعوت جلاله فان نفي ذلك من لازمه نفي الذات ووصفه بالعدم المحض اذ ما لا يوصف بصفة هو العدم تعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا .

ولهذا قال السلف الصالح رحمهم الله تعالى في الجهمية : انهم يحاولون ان يقولوا ليس في السماء اله يعبد وذلك لجحودهم صفات كماله ونعوت جلاله التي وصف بها نفسه ووصفه بها رسوله صلى الله عليه وسلم وذلك يتضمن التكذيب بالكتاب والسنة والافتراء على الله كذبا ( فمن اظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق اذ جاءه اليس في جهنم مثوى للكافرين والذي جاء بالصدق وصدق به اولئك هم المتقون لهم ما يشائون عند ربهم كذلك جزاء المحسنين ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم اجرهم باحسن الذي كانوا يعملون ) .

وغير تكييف أي تفسير لكنه شيء من صفات ربنا تعالى كأن يقال استوى على هيئة كذا او ينزل الى السماء بصفة كذا او تكلم بالقران على كيفية كذا ونحو ذلك من الغلو في الدين والافتراء على الله عزوجل واعتقاد ما لم يأذن به الله ولا يليق بجلاله وعظمته ولم ينطق به كتاب ولا سنة .

ولو كان ذلك مطلوبا من العباد في الشريعة لبينه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ولم يدع ما بالمسلمين اليه حاجة الا بينه ووضحه والعباد لا يعلمون عن الله تعالى الا ما علمهم كما قال تعالى ( ولا يحيطون بشيء من علمه الا بما شاء ) وقال تعالى ( يعلم ما بين ايديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما ) فليؤمن العبد بما علمه الله تعالى وليمسك عما جهله وليكل معناه الى عالمه ككيفيتها ( وما اتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) .

ولا تمثيل أي تشبيه لشيء من صفات الله بصفات خلقه فكما أنا نثبت له ذاتا لا تشبه الذوات فكذلك نثبت له ما اثبت لنفسه من الاسماء والصفات ونعتقد تنزهه عن ممائلة المخلوقات ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) .

واذا كان القول على الله بلا علم في أحكام الشريعة هو أقبح المحرمات كما قال تعالى ( قل انما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاثم والبغي بغير الحق وان تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وان تقولوا على الله ما لا تعلمون ) فكيف بالقول على الله بلا علم في الهيته وربوبيته واسمائه وصفاته من تشبيه خلقه به او تشبيه بخلقه في اتخاذ الانداد معه وصرف عباده لهم وان اعتقاد تصرفهم في شيء من ملكوته تشبيه للخالق بالمخلوق وكلا التشبيهين كفر بالله عزوجل اقبح الكفر وقد نراه الله تعالى نفسه عن ذلك كله في كتابه كما قال تعالى ( قل هو الهل أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا احد ) وقال تعالى ( رب السموات والارض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تسمع له سميا) وقال تعالى ( فاطر السموات والارض جعل لكم من انفسكم ازواجا يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) وقال فلا تضربوا لله الامثال ان الله يعلم وانتم لا تعلمون) وغير ذلك من الايات بل جميع القران من اوله الى خاتمته في هذا المعنى بل لم يرسل الله تعالى رسله ولم ينزل كتبه الا بذلك ( والله يقول الحق وهو يهدي السبيل) .

بل قولنا الذي نقوله ونعتقده وندين الله به و قول ائمة الهدى من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من الائمة كابي حنيفة ومالك والاوزاعي والثوري وابن عيينه والليث بن سعد وحماد بن زيد وحماد بن سلمة والشافعي واحمد واسحق بن راهويه واصحاب الامهات الست وغيرهم من ائمة المسلمين قديما وحديثا الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون وهو امرارها كما جاءت من تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل والظاهر المتبادر الى اذهان البشر منفي عن الله عزوجل فان الله تعالى لا يشبهه شيء من خلقه وليس كمثله شيء وهو السميع البصير بل الامر كما قالت الائمة تفسيرها قراءتها .

وقال نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري رحمهما الله تعالى: من شبه الله بخلقه فقد كفر ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه فمن اثبت لله تعالى ما اثبته لنفسه مما وردت به الايات الصريحة ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم مما ورد في الاخبار الصحيحة على الوجه الذي يليق بجلال الله وعظمته ونفى عن الله النقائص فقد سلك سبيل الهدى وقال الامام الشافعي رحمه الله تعالى : امنا بالله وبما جاء عن الله على مراد الله وامنا برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقال أيضا رحمه الله : لله تعالى اسماء وصفات جاء كتابه واخبر بها نبيه صلى الله عليه وسلم امته لا يسع احدا من خلق الله قامت عليه الحجة ردها لان القران نزل بها وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم القول بها فيما روي عنه العدول فان خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو كافر اما قبل ثبوت الحجة عليه فهو كافر اما قبل ثبوت الحجة عليه فمعذور بالجهل لان علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا بالرؤية والفكر ولا يفكر بالجهل بها احد الا بعد انتهاء الخبر اليه بها وتثبت هذه الصفات وينفى عنها التشبيه كما نفى التشبيه عن نفسه تعالى فقال سبحانه ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) .

وقال الامام احمد رحمه الله : ليس كمثله شيء في ذاته كما وصف نفسه قد اجمل الله الصفة فحد لنفسه صفة: ليس يشبهه شيء وصفاته غير محدودة ولا معلومة الا بما وصف نفسه قال : فهو سميع بصير بلا حد ولا تقدير ولا يبلغ الواصفون صفته ولا نتعدى القران والحديث فقول كما قال ونصفه بما وصف به نفسه ولا نتعدى ذلك ولا يبلغ صفته الواصفون نؤمن بالقران كله محكمه ومتشابهه ولا نزيل عنه صفة من صفاته بشناعة شنعت وما وصف به نفسه من كلام ونزول وخلوة بعبده يوم القيامة ووضعه كنفه عليه فهذا كله يدل على ان الله سبحانه وتعالى يرى في الاخرة والتحديد في هذا كله بدعة والتسليم فيه بغير صفة ولا حد الا ما وصف به نفسه : سميع بصير لم يزل متكلما عالما غفورا عالم الغيب والشهادة علام الغيوب فهذه صفات وصف بها نفسه لا تدفع ولا ترد وهو على العرش بلا حد كما قال تعالى (ثم استوى على العرش) كيف شاء المشيئة اليه والاستطاعة اليه ليس كمثله شيء وهو خالق كل شيء وهو سميع بصير بلا حد ولا تقدير لا نتعدى القران والحديث تعالى الله عما يقول الجمهية والمشبهه .

قلت له: المشبه ما يقول؟ قال: من قال: بصر كبصري ويد كيدي وقدم كقدمي فقد شبه الله تعالى بخلقه .

معنى التاويل

قد صار اصطلاح المتاخرين في معنى التاويل : انه صرف اللفظ عن ظاهره .

وبهذا تسلط المحرفون على النصوص وقالوا نحن نتاول ما يخالف قولنا فسموا التحريف : تاويلا تزيينا له وزخرفة ليقبل .

وقد ذم الله الذين زخرفوا الباطل قال تعالى ( وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شيطاطين الانس والجن يوحى بعضهم الى بعض زخرف القول غرورا ) .

والعبرة للمعاني لا للالفاظ فكم من باطل قد اقيم عليه دليل مزخرف هورض به دليل الحق .

- ومن التأويلات الفاسدة تاويل ادلة الرؤية وادلة العلو وانه لم يكلم موسى تلكيما ولم يتخذ ابراهيم خليلا .

- وقد صار لفظ التأويل مستعملا في معناه الاصلي .

- فالتاويل في كتاب الله وسنة رسوله هو الحقيقة التي يؤول اليها الكلام .

- فتاويل الخبر : هو عين المخبر به وتاويل الامر: نفس الفعل مأمور به .

- كما قالت عائشة رضي الله عنها ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه : سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي ) يتاول القران .

- وقال تعالى ( هل ينظرون الا تأويله يوم يأتي تاويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق ).

- ومنه تأويل الرؤيا وتأويل العمل كقوله (_ هذا تأويل رؤياي من قبل ) وقوله ( ويعلمك من تأويل الاحاديث ) وقوله ( ذلك خير واحسن تأويلا ) وقوله ( سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا ) .

- فمن ينكر وقوع مثل هذا التاويل والعلم بما تعلق بالامر والنهي منه ؟

- واما ما كان خبرا كالاخبار عن الله واليوم الاخر فهذا قد لا يعلم تأويله الذي هو حقيقته اذ كانت لا تعلم بمجرد الاخبار فان المخبر ان لم يكن قد تصور المخبر به او ما يعرفه قبل ذلك لم يعرف حقيقته التي هي تأويله بمجرد الاخبار وهذا هو التأويل الي لا يعلمه الا الله لكن لا يلزم من نفي العلم بالتأويل نفي العلم بالمعنى الذي قصد المخاطب افهام المخاطب اياه فما في القران ايه الا وقد امر الله بتدبرها وما انزل ايه الا وهو يحب ان يعلم ما عنى بها وان كان من تأويله وما لا يعلمه الا الله فهذا معنى التاويل في الكتاب والسنة وكلام السلف وسواء كان هذا التاويل موافقا للظاهر او مخالفا له .

والتأويل في كلام كثير من المفسرين كابن جرير ونحوه يريدون به تفسير الكلام وبيان معناه سواء وافق ظاهره او خالف وهذه اصطلاح معروف .

- وهذا التأويل كالتفسير يحمد حقه ويرد باطله .

- وقوله تعالى ( وما يعلم تأويله الا الله والراسخون في العلم ) فيها قراءتان: قراءة من يقف على قوله (الا الله ) وقراءة من لا يقف عندها وكلتا القراءتين حق .

- ويراد بالاولى المتشابه في نفسه الذي استأثر الله بعلم تاويله .

- ويراد بالثانية المتشابه الاضافي الذي يعرف الراسخون تفسيره وهو تأويله .

- ولا يريد من وقف على قوله ( الا الله ) ان يكون التاويل بمعنى التفسير للمعنى فان لازم هذا ان يكون الله انزل على رسوله كلاما لا يعلم معناه جميع الامة ولا الرسول .

- ويكون الراسخون في العلم لا حظ لهم في معرفة معناها سوى قولهم ( امنا به كل من عند ربنا) .

- وهذا القدر يقوله غير الراسخ في العلم من المؤمنين والراسخون في العلم يجب امتيازهم عن العوام المؤمنين في ذلك وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما ( انا من الراسخين في العلم الذين يعلمون تاويله ) .

- ولقد صدق رضي الله عنه فان النبي صلى الله عليه وسلم دعا له وقال ( اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) رواه البخاري وغيره ودعاؤه صلى الله عليه وسلم لا يرد .

- قال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس من اوله الى اخره اقفه عند كلايه واساله عنها وقد تواترت النقول عنه انه تكلم في جميع معاني القرؤان ولم يقل عن ايه انها من المتشابه الذي لا يعلم احد تاويله الا الله .

- والتاويل في كلام المتأخرين من الفقهاء والتكلمين : هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح الى الاحتمال المرجوح لدلالة توجب ذلك .

- وهذا هو التاويل الذي تنازع الناس فيه في كثير من الامور الخبرية والطلبية .

- فالتأويل الصحيح منه: الذي يوافق ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة وما خالف ذلك فهو التاويل الفاسد .

-وذكر ان عمرو بن اسماعيل بن محمد بن الحسن رحمهم الله: سئل عن الاخبار والايات التي فيها من صفات الله تعالى ما يؤدي ظاهره الى التشبيه ؟

- فقال نمرها كما جاءت ونؤمن بها ولا نقول : كيف وكيف .

- ويجب ان يعلم ان المعنى الفاسد الكفري ليس هو ظاهر النص ولا مقتضاه وان من فهم ذلك منه فهو لقصور فهمه ونقص علمه واذا كان قد قيل في بعض الناس :

وكم من عائب قولا صحيحا     وافته من الفهم السقيم

وقيل

على نحت القوافي من مقاطعها    وما علي لهم ان تفهم البقر

- فكيف يقال في قول الله الذي هو أصدق الكلام واحسن الحديث وهو الكتاب الذي ( احكمت اياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير )

ان حقيقة قولهم: ان ظاهر القران والحديث هو الضلال وانه ليس فيه بيان ما يصلح من الاعتقاد ولا فيه بينا التوحيد والتنزيه ؟

- هذا حقيقة قول المتاويلين والحق ما دل عليه القران فهو الحق وما والمنزعون يدعون دلالته على الباطل الذي يتعين صرفه .

- فيقال لهم : هذا الباب الذي فتتهتموه وانكم كنتم تزعمون انكم تنتصرون به على اخوانكم المؤمنين في مواضع قليلة خفية فقد فتحتم عليكم بابا لانواع المشركين والمبتعدين لا تقدرون على سده فانكم اذا سوغتم صرف القران عن دلالة المفهومة فما الضابط فيما يصوغ تاويله وما لا يصوغ ؟ فان قلتم والا اقررناه .

- قيل لكم : وباي عقل مزن القاطع العقلي ؟ فان القرمطي يزعم قيام القواطع على ظواهر الشرع

- ويزعم الفيلسوف قيام القواطع على بطلان حشر الاجساد ويزعم المعتزلي قيام القواطع على امتناع رؤية الله تعالى وعلى قيام علم او كلام او رحمه به تعالى .

- وباب التاويلات التي يدعي اصحابها وجوبها بالمعقولات اعظم من ان تنحصر في هذ1ا المقام

- ويلزم حين اذن محظوران عظيمان :

- احدهما : ان لا نقر بشيء من معاني الكتاب والسنة حتى نبحث بحواثا طويلة عريضة في امكان ذلك بالعقل وكل طائفة من المختلفين بالكتاب يدعون ان العقل يدل ما ذهبوا اليه فيؤول الامر الي الحيرة المحذورة .

- القاني : ان القلوب تتخلى عن الجزل بشيء تعتقده مما اخبر به الرسول اذ لا يوثق بان الظاهر هو المراد والتاويلات مضربة فيلزم عزل الكتاب والسنة عن الدلالة والارشاد الى ما انبىء الله به العباد وخاصة النبي الانباء والقران وهو النبا العظيم .

- ولهذا نجد اهل التااويل انما يذكرون نصوص الكتاب والسنة لاعتضاد لا للاعتماد . ان وافقت ما ادعوا ان العقل دل عليه قبلوه وان خالفته اوله وهذا فتح باب الزندقة نسال الله العافية .

شبهة النفي والتشبية

-                                                                                                        النفي والتشبيه مرضان من امراض القلوب

-                                                                                                        فامراض القلوب نوعان

-                                                                                                        مرض شبهه ومرض شهوة

-                                                                                                        وكلاهما مذكور في القران الكريم ( فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض )

 

فهذا مرض الشهوة

وقال تعالى 0 في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا) وقال تعالى 0 واما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا اليى رجسهم ) فهذا مرض الشبهه

وهو اردا من مرض الشهوة اذ مرض الشهوة يرجى له الشفاء بقضاء الشهوة ومرض الشبهة لا شفاء له ان لم يتداركه الله برحمته

والشبهة التي في نسالة الصفات : نفيهها وتشبيها

وشبهة النفي اردا من شبهة التشبيه

فان شبهة النفي رد وتكذيب لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وشبهة التشبية غلو وجاوز للحد فيما جاء به الرسول صلى الهل عليه وسلم

وتشبيه الله بخلقه كفر فإن الله تعالى ( ليس كمثله شيء )

ونفي الصفات كفر فان الله تعالى يقول ( وهو السميع البصير )

وهذا اصل نوع التشبيهه فان التشبيه نوعان :

تشبيه الخالق بالمخلوق وهذا الذي يتعب اهل الكلام في رده وابطاله واهله في الناس اقل من النوع الثاني

الذين هم اهل التشبيهه المخلوق بالخالق كعباد المشايخ والعزير والقمر والاصنام والملائكة والنار والماء والعجل والقبور والجن وغير ذلك .

وهؤلاء هم الذين اسرلت لهم الرسل يدعونهم لعبادة الله وحدة لا شريك له . لنفي التشبيه عن صفات الله تعالى .

المشبهة هم الذين يشبهون الخالق بالمخلوق والله سبحانه وتعالى يقول ( ليس كمثلة شيء وهو السميع البصير ) .

وليس المراد بنفي الصفات كما يقول اهل البدع .

فمن كلام ابي حنيفة في الفقة الاكبر ( لا يشبه شيئا من خلقه ولا يشبهه شيء من خلقه )

ثم قال بعد ذلك : وصفاته كلها خلاف صفات المخلوقين يعلم لا كعلمنا ويقدر لا كقدرتنا ويرى لا كرؤيتنا .

وقال نعيم بن حماد ( من شبهة الهل بشيء من خلقه فقد كفر ومن انكر ما وصف به نفسه فقد كفر وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيهه )

وقال اسحاق بن راهوية : ( من وصف الله فشبهة صفاته بصفات احد من خلق الله فهو كافر بالله العظيم )

علامة جهم واصحابه دعوهم على اهل السنة والجنابة ما اولعوا به من كذب : انهم مشبهة بل هم المعقلة .

وكذلك قال خلق كثير من ائمة السلف : علامة الجهمية تسميتهم أهل السنة مشبهة فانه ما من احد من نفات شيء من الاسماء والصفات الا يسمي المثبت لها مشبها .

فمن انكر اسماء الله بالكلية من غالبة الزنادقة : القرامطة والفلاسفة وقال : الله لا يقال له : عالم ولا قادر يزعم ان من سماه بذلك فهو مشبهة .

لان الاشتراك في الاسم يوجب الاشتباه في معناه .

ومن اثبت الاسم وقال هو مجاز كغالبة الجهمية يزعم ان من قال : ان الله عالم حقيقة قادر حقيقة : وهو مشبهة

ومن انكر الصفات : وقال: ان الله ليس له علم ولا قدرة ولا كلام ولا محبة ولا ارداة : قال لمن اثبت الصفات انه مشبهة وانه مجسم .

ولهذا كتب نفات الصفات من الجهمية والمعتزلة والرافضة ونحوهم كلها مشحونة بتسمية مثبة الصفات مشبهة ومجسمة ويقولون في كتبهم : ان من جملة المجسمة قوما يقال لهم: المالكية بنسبون الرجل يقال له : مالك بن أنس وقوما قول يقال لهم الشافعية ينسبون الى رجل يقال له محمد بن ادريس

ولكن المشهور من استعمال هذا اللفظ عند علماء السنة المشهورين أنهم لا يريدون بنفي التشبيه نفي الصفغات .

ولا يعنون به كل من اثبت الصفات .

بل مرادهم : انه لا يشبه المخلو في اسماءه وصفاته وافعاله .

كما تقدم من كلام ابي حنيفة رحمه الله : انه تعالى يعلم لا كعلمنا لا كعلمنا ويقدر لا كقدرتنا ويرى لا كرؤيتنا .

وهذا معنى قوله تعالى ليس مثله شيء وهو السميع البصير فنفى المثلب واثبت الصفة وممما يوضح هذا ان العلم الالهي لا يجوز ان يستدل فيه بقياس تمثيلي يستوي فيه الاصل والفرع ولا بقيس شمول يستوي افراده

فان الهل سبحانه ليس كمثله شيء فلا يجوز ان يمثل بغيره ولا يجوز ان يدخل هو وغيره تحت قضية كلية يستوي افرادها .

ولهذا لما سلك الطوائف من المتفلسفة والمتكلمة مثل هذه الاقيسية في المطالب الهية : لم يصلوا بها الى اليقين بل تناقضت ادلتهم وغلب عليهم بعد التناهي في الحيرة والاضطراب لما يرونه من فساد ادلتهم او تكاثفها ( تساويها) ولكن يستعمل في ذلك قياس (الاولى) سواء كان تمثيلا او شمولا

كما قال تعالى (ولله المثل الاعلى ) مثل ان يعلم ان كل كمال ممكن او للمحدث لا نقص فيه بوجه من الوجوه وهو ما كان كمالا للوجود غير مستلزم للعدم بوجه: فالواجب القديم اولى به .

وكل كمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه ثبت نوعه للمخلوق المربوب المدبر فانما استفاده من خالقه وربه ومدبره وهو احق به منه .

وان كل نقص وعيب في نفس وهو ما تضمن سلب هذا الكمال اذا وجب نفيه عن شيء من انواع المخلوقات والمكانات والمحدثات فانه يجب نفيه عن الرب تعالى بطريقة اولى

الرد على من اول الصفات

اول : ان الماول لم يرضى لله تعالى ما رضيه له اعرف الناس به وهو رسوله صلى الله عليه وسلم

ثانيا: ان هذا التاويل لو ارده الله تعالى لنفسه لامر به في كتابه او على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ولكان حينئذ التاويل لصفات الله تعالى واجبا دينيا يحرم اهماله وياثم تاركه غير انه لما لم يأذن الله تعالى به كان فعله خطأ وتكلفا مذموما محرما لما فيه من معنى الاستدراك على الله تعالى وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم .

ثاثلا: ان المؤول لصفات الله تعالى فرارا من التشبيه وخوفا منه وقد جهل حقيقة عظيمة هي استحالة وجود أي شبه بين صفات الهل تعالى وصفات عباده اذ لا شبه بين صفات الخالق وصفات المخلوق ابدا لما اخبر تعالى من انه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير وانه احد ولا كفوا له ولهاذا لو قال أحد يد الله كيد زيد او عمر ومجيء الرب كمجيء خالد او بكر واستواء الهل على العرش كاستواء الملك فلان او فلان وكان مشبها للخالق بالمخلوق وهو في ذلك كاذب اذا الواقع يختلف عما قال تماما ومكذب لانه كذب الله تعالى في قوله ( ليس كمشله شيء 9 ومشرك كافر بتشريك بعض عباد الله في بعض صفات الهل تعالى .

رابعا: ان هذا المؤول لصفات الله تعالى فرارا من التشبيه وخوفا منه قد خفي عليه الفرق العظيم بين صفات الخالق جل وعلا وبين صفات المخلوقين العاجزين الضعفاء .

انه لو ان الفرق بين صفات الخالق وبين صفات المخلوق كالفرق بين ذات الخالق وذات المخلوق لما توهم تشبيها ابدا ولما لجا الى التاويل .

فلهذا لنا أن نقول : المأول لصفات الله تعالى خوفا من الوقعو في التشبيه قد فهم انه يوجد شبه ما بين صفات الخالق عزوجل وصفات المخلوق فلهذا هرب منه واول صفات الخالق حتى لا تشبه صفات المخلوق اما غير المأول فانه لم يسمح لخاطره ان يقدر أي شيء شبه بين صفات الخالق وصفات المخلوق لاستحالة وجود أي شبه بها واقعا فاطلق صفات الخالق عليه كما اطلقها على نفسه .

واطلق صفات المخلوق عليه كما اطلقت عليه شرعا وعادة وعرفا ً بذلك سلم من الخطا والتكلف والجهل

النفي في الصفت

كل نفي في صفات الله تعالى في الكتاب والسنة انما هو لثبوت كمال ضده .

كقوله تعالى ( لا يظلم ربك احدا ) اكمال عدله

( لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الارض ) لكمال علمه

( لا تأخذه سنة ولا نوم ) لكمال حياته وقيومته

( لا تدركه الابصار ) لكمال جلالته وعظمته وكبرياءة

والا فالنفي الصرف لا مدح فيه .

الا ترى في قول الشاعر :

قبيلة لا يغدرون بذمة        ولا يظلمون الناس حبة خردل

لما اقترن بنفي الغدر وزالظلم عنهم ما ذكره قبل البيت وبعده وتصغيرهم بقوله ( قبيلة ) علم ان المراد عجزهم وضعفهم لا كمال قدرتهم

وقول اخر : لكن قومي وان كانوا ذوي عدد      ليسوا من الشر في شيء وان هانا .

لما اقترن بنفي الشر عنهم ما يدل على ذمهم علم ان المراد عجزهم وضعفهم ايضا .

ولهذا يأتي الاثباتن للصفا في كتاب الله مفصلا والنفي مجملا .

عكس طريقة اهل الكلام المذموم فإنهم ياتون بالنفي المفصل والاثبا المجمل .

يقولون ليس بجسم ولا شبح ولا جثة ولا صورة ولا لحم ولا دم ولا شخص ولا جوهر ولا عرض ولا بذي لون ولا رائحة ولا طعم ولا مجسة ولا بذي حرارة ولا برودة ولا رطوبة ولا يبوسة ولا طول ولا عرض ولا عمق ولا جاتماع ولا افتراق ولا يتحرك ولا يسكن ولا يتعض وليس بذي ابعاض واجزاء وجوارح واعضاء وليس بذي جهات ولا بذي يمين ولا شمال وامام وخلف وفوق وتحت ولا يحيط به مكان ولا يجري عليه زمان ولا يجوز عليه المماسة ولا العزلة ولا الحلول فيث الاماكن ولا يوصف بشيء من صفات الخلق الدالة على حدوثهم ولا يوصف بانه متناه ولا يوصف بمساحة ولا ذهاب في الجهات وليس بمحدد ولا والد ولا مولود ولا تحيط به الاقدار ولا تحجبه الاستار الى اخر ما نقله ابو الحسن الاشعري رحمة الله عن المعتزلة .

وفي هذه الجملة حق وباطل ويظهر ذلك امن يعرف الكتاب والسنة .

وهذا النفي المجرد مع كونه لا مدح فيه فيه اسءة ادب .

فانك لو قلت للسلطان انت لست بزبال ولا كساح ولا حجام ولا حائك لادبك على هذا الوصف وان كنت صادقا .

وانما تكون مادحا اذا اجملت النفي .

فقلت: انت لست مثل احد من رعيتك انت العى منهم واشرف واجل .

فاذا اجملت في النفي اجملت في الادب .

والتعبير عن الحق بالالفاظ الشرعية النبوية الهية هو سبيل اهل السنة والجماعة .

والمقصود ان غلب عقائدهم السلوب ليس بكذا وليس بكذا .

واما الاثبات فهو قليل .

واكثر النفي المذكور ليس متلق عن الكتاب والسنة .

ولا عن طريق العقلية التي سكلها غيرهم من مثبتة الصفات .

فان الله تعالى قال ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) .

ففي هذا الاثبات لا يقرر معنى النفي

ففهم ان المراد انفراده سبحانه بصفات الكمال

فهو سبحانه وتعالى موصوف بما وصف به نفسه ووصفه به رسله

ليس كمثله شيء في صفاته ولا في اسماءه ولا في افعاله مما اخبرنا به من صفاته وله صفات لم يطلع عليها احد من خلقه كما قال رسول الله الصادق في دعاء الكرب ( اللهم اني اسألك بكل اسم هو لك )

اسماء الله الحسنى

معرفة اسماء الله الحسنى من تمام التوحيد الذي لا بد منه

لانه كمال الذات باسماءها الحسنى ونعوتها الشريفة ولا كمال لذات  لا نعت لها ولا اسم

ولذلك عد مذهب الملاحدة فسي مدح الرب بنفيها من اعظم مكائدهم للاسلام

فانهم عكسوا المعلومة عقلا وسمعا وذموا الامر المحمود ومدحوا الامر المذموم القائم مقام النفي والجحد تالمحض

وضادوا كتاب الله ونصوه الصداقة( ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في اسماءه )

وقال ( قل ادعو الله او ادعو الرحمن ايا ما تدعو فله الاسماء الحسنى )

فما كان منها منصوصو في كتاب الله وجب الايمان به على الجميع والانكار على من جحده او زعم ان ظاهره اسم ذم الله سبحانه

وما كان في الحيث وجب الايمان به على من عرف صحته

وما نزل عن هذه المرتبة او كان مختلفا في صحته لم يصلح استعماله فان الهل اجل من يسمى باسم ليتحقق انه تسمى به .

وعادة المتكلين ان يقتصروا على اليسير من الاسماء .

ولا ينبغي ترك أي شيء منها ولا اختصاره فان ذلك كالاختصار للقران الكريم .

ولو كان منها شيء لا ينبغي اعتقاده ولا ذكره ما ذكره الهل تعالى في القران الكريم

وعادة بعض المحدثين ان يورد جميع ما ورد من الحديث المشهور في تعدادها

مع الاختلاف الشهير في صحته وحسبك ان البخاري ومسلما تركا تخريجه مع رواية اوله

واتفاقهما على ذلك يشعر بقوة العلة فيه

ولكن الاكثرين اعتمدوا ذلك تعرضا لفضل الله العظيم في وعد من احصاها بالجنة كما اتفق على صحته

وليس يستقين احصاءها بذلك الا لو لم يكن لله سبحانه اسم غير تلك الاسماء .

فاما ان كانت اسماءه سبحانه اكثر من ان تحصى بطل اليقين بذلك .

وكان الاحسن الاقتصار على ما في كتاب الله تعالى وما اتفق على صحته بعد ذلك وهو النادر .

وقد ثبت ان اسماء الله تعالى اكثر من ذلك المروي بالضرورة والنص :

اما الضرورة فان في كتاب الله اكثر من ذلك

واما النص : فحديث ابن مسعود رضي الله عنه عن رسول الهل صلى الله عليه وسلم انه قال ( ما قال عبد اصابه هم او حزن : اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن امتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاءك اسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك او انزلته في كتابك او علكته احد من خلقك او استاثرت به في علم الغيب عندك ان تجعل القران ربيع قلبي ونور بصري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي الا اذهب الله همه وابدله مكان حزنه فرحا .

رواه احمد وابو عوانه في صحيحه .

وثبت ان حصر الاسماء التسعة والتسعين لا ينال الا بتوفيق الله تعالى كساعة الاستجابة يوم الجمعة لانها مجملة باسماء الله .

والذي عرف منها بالنص الصريح دون اشتقاق في القران 155 غير الممادح السلبية .

وذكر الغزالي في المقصد الاسمى : ان ما كان يطلق على العباد من اسماءه تعالى على جهة الحقيقة مثل الزارع والكتاب لم يطلق على الله مجردا بل يطلق حيث اطلقه على لفظه مع ما يتعلق به من السياق وهذا حيث يخاف اللبس والتشبيه واجب وحيث يؤمن ادب حسن واحتياط جيد .

واما المشتقات من الافعال الربانية الحميدة فلا تحصى وقد جمع بعضهم منها الفا اسم

مثل : كاتب لرحمه على نفسه ، المحمود، العادل، المعبود، المحكم، المنعم، الشافي، الماحي المثبت وغيرها .

وما انواع الثناء من غير اشتقاق من الفاظ القران فلا تحصى مثل قديم الاحسان ودائم المعروف ، المستغاث ، المؤمول، وامثال ذلم مما لا يحصى لما اجمع عليه منه .

والظاهر جواز هذين النوعين لانهما من الاخبار الصادقة والهل اعلم .

وذلك فيما كان مجمعا على انه حسن لا قبح فيه وثناء جميل لا ذم فيه ولا تشبيه والا فالاقتصار على المنصوصات عند الاختلاف لازم .

واما الممدوح السلبية في كتاب فاعتقادها لازم وان لم تكن اسم في عرف اهل العربية .

ولكنها نعوت واجبة حق بنص القران تعالى وذلك مثل قوله تعالى ( ليس كمثله شيء ) ولم يكن له كفوا احد ) وليس له سمي فانه معلوم من قوله تعالى ( هل تعلم له سميا .

تفسير كله الحسنى

الحسنى جمع الاحسن لا جمع الحسن .

وتحت هذا سر النفيس وذلك ان الحسن من صفات الالفاظ وصفات المعاني

فكل لفظ له معنيان حسن واحسن .

فالمراد الاحسن منهما حتى يصح جمعه على الحسنى

وكل معنى من المعاني له اسمان حسن واحسن لم يطلق عليه مههما الا الاحسن لهذا الوجه .

مثاله اسم النور له معنيان معلومان لا خلاف فيهما : نور الابصار ونور البصائر .

ولا خلاف بين العقلاء اجمعين ان نور البصائر هو اشرفهما واكرمهما وخيرهما واحسنهما فعلم انه معنى النور في اسماء الله تعالى هو : الهادي لكل شيء

الاسماء والصفات هل توقيفيه ام تجوز بطريق العقل ؟

الذي مال اليه القاضي ابو بكر ان ذلك جائز الا ما منع منه الشرف او شعر بما يستحيل معناه على الله تعالى .

فاما ما لا مانع فيه فانه جائز والذي ذهب اليه الشيخ ابو الحسن الاشعري رحمه الهل ان ذلك موقوف على التوقيف فلا يجوز ان يطلق في حق الهل تعالى ما هو موصوف في معناه الا اذا اذن فيه

والمختار ان نفصل ونقول : كل ما يرجع الى الاسم فذلك موقوف على الاذن .

وما يرجع تاى تاوصف فذلك لا يقف على الاذن بل الصادق منه مباح دون الكاذب ولا يفهم هذا الا بعد فهم الفرق بين الاسم والوصف فالاسم هو اللفظ الموضوع للدلالة على المسمى فزيد مثلا اسمه زيد وهو نفسه ابيض طويل فلو قال يا طويل ويا ابيض فقد دعاه بما هو موصوف به وصدق ولكنه عدل عن اسمه اذ اسمه زيد دون طويل والابيض وكونه طويلا ابيض لا يدل على ان الطويل اسمه .

بل تسميتنا الولد قاسما وجامعا لا يدل على انه موصوف بمعاني هذه الاسماء بل دلالة هذه الاسماء وان كانت معنوية عليه كدلالة قولنا زيد وعيسى ومالا معنى له بل اذا سميناه عبد الملك فلسنا نعني به عبد للملك .

ولذلك نقول عبد الملك اسم مفرد كعيسى وزيد واذا ذكر في معرض الوصف كان مركبا وكذلك عبد الله وكذلك يجمع فيقال عباد له ولا يقال عباد الله .

واذا فهمت معنى الاسم فاسم كل واحد ما سمى به نفسه او سماه به وليه من والديه او سيده .

والتسمية يعني وضع الاسم تصرف في المسمى ويستدعي ذلك ولاية والولاية للانسان على نفسه او على عبده او ولده فلذلك تكون التسمية الى هؤلاء .

ولذلك لو وضع غير هؤلاء اسما انكره المسمى وغضب عليه .

واذا لم يكن لنا ان نسمي انسانا أي لا نضع له اسما فكيف نضع لله اسما وكذلك اسماء رسول الله صلى الله عليه وسلم وعدودة وقد عدها وقال ان لي اسماء احمد ومحمد والمقفي والماحي والعاقب ونبي التوبة ونبي الرحمة ونبي المسامحة .

وليس لنا ان نزيد على ذلك في معرض التسمية بل في معرض الاخبار عن وصفه فيجوز ان نقول انه عالم ومرشد ورشيد وهاد وما يجري مجراه كما نقول لزيد انه ابيض وطويل لا في معرض التسمية بل في معرض الاخبار عن صفته .

وعلى الجملة هذه مسألة فقهية : اذ هو نظر في اباحة لفظ وتحريمه فيقال اما الدليل على المنع من وضع اسم له فهو المنع من وضع اسم لرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسم به نفسه ولا سماه به ربه ولا ابوه واذا منع في حق الرسول بل في احاد الخلق فهو  حق الله اولى وهذا نوع قياس فقهي يبني على مثله الاحكام الشرعية .

اما اباحة الوصف فانه خبر عن امر والخبر ينقسم الى صدق وكذب والشرع قد دل على تحريم الكذب في الاصل والكذب حرام الا بعارض ودل على اباحة الصدق فالصدق حلال الا بعارض وكما يجوز لنا ان نقول في زيد انه موجود لانه موجود فكذلك في حق الله تعالى ورد به الشرع او لم يرد وكما انا لا نقول لزيد انه طويل اشقر لان ذلك ربما يبلغ زيدا فيكرهه لان فيه ايهام نقص فكذلك لا نقول في حق الله تعالى ما يوهم نقصا البتة فاما ما لا يوهم نقصا او يدل على مدح فذلك مطلق ومباح بالدليل الذي اباح الصدق مع السلامة عن العوارض المحرمة .

ولذلك قد يمنع من اطلاق لفظ فاذا قرن به قرينه جاز فلا يجوز ان يقال لله تعالى يا زارع يا حارث ويجوز ان يقال من وطيء وامنى فليس هو الحارث انما الله هو الحارث ومن بث البذر فليس هو الزارع انما الله هو الزارع ومن رمى فليس هو الرامي انما الله هو الحارث ومن بث البذر فليس هو الزارع ولكن الله رمى) ولا نقول لله تعالى يا مذل ونقول يا معز يا مذل ونقول يا معز يا مذل فانه اذا جمع بينهما كان وصف مدح اذ يدل على ان طرفي الامور بيديه .

وكذلك في الدعاء ندعو الله تعالى باسمائه الحسنى كما امر به .

واذا جاوزنا الاسامي دعوناه بصفات المدح والجلال فلا نقول يا موجود يا محرك يا مسكن بل نقول يا مقيل العثرات يا منزل البركات يا ميسر كل عسير وما يجري مجراه .

كما انا اذا نادينا انسانا فاما ان نناديه باسمه وبصفة من صفات المدح كما نقول يا شريف يا فقيه ولا نقول يا طويل يا ابيض الا اذا قصدنا الاستحقار واما اذا استخبرنا عن صفاته واخبرنا بانه ابيض اللوه اسود الشعر ولا نذكر ما يكرهه اذا بلغه وان كان صدقا لعارض الكراهية وانما يكره ما يقدر فيه نقصا نسبة الافعال والاوصاف اليه الى اذن وارد فيه على الخصوص .

بل الاذن قد ورد شرعا في الصدق الا ما يستثنى عنه  بعارض والله تعالى هو الموجود والموجد والمظهر والمخفي والمسعد والمشقي والمبقي والمغني .

وكل ذلك يجوز اطلاقه ان لم يرد فيه توقيف .

فان قيل فلم لا يجوز ان يقال لهالعرف والفطن والذكي وما يجري مجراه .

يقال انما المانع من هذا وامثاله ما فيه من ايهام لا يجوز الا باذن كالصبور والرحيم والحليم فان فيه ايهاما ولكن الاذن قد ورد به .

واما هذا فلم يرد به الاذن .

والايهام فيه ان العاقل هو الذي له معرفة تعقله أي تمنعه يقال عقله عقله والفطنه والذكاء يشعران بسرعة الادراك لما غاب عن المدرك والمعرفة قد تشعر بسبق نكرة .

فلا يمنع عن اطلاق شيء منه الا شيء مما ذكرناه فان حقق لفظ لا يوهم اصلا بين المتفاهمين ولم يرد الشرع بالمنع منه فانه يجوز اطلاقه قطعا والله اعلم بالصواب واليه المرجع والماب .

اطلاق اسم القديم على الله تعالى .

ادخل المتكلمون في اسماء الله تعالى القديم وليس هو من الاسماء الحسنى فان القديم في لغة العرب التي نزل بها القران هو المتقدم على غيره .

فيقال هذا قديم للعتيق وهذا حديث للجديد ولم يستعملوا هذا الاسم الا في المتقدم على غيره لا فيما لم يسبقه عدم .

كما قال تعالى ( حتى عاد كالعرجون القديم) والعرجون القديم الذي يبقى الى حين وجود العرجون الثاني فاذا وجد الجديد قيل للاول : قديم .

وقال تعالى : ( واذا لم يهتدوا به فسيقولون هذا افك قديم) أي متقدم الزمان .

وقال تعالى ( افرايتم ما كنتم تعبدون انتم واباؤكم الاقدمون) فالاقدم مبالغة في القديم .

ومنا القول القديم والجديد للشافعي رحمة الله تعالى .

وقال تعالى ( يقدم يوم القيامة فأوردهم النار) أي يتقدمهم .

ويستعمل منه الفعل لازما ومتعديا كما يقال اخذت ما قدم وما حدث ويقال هذا قدم هذا وهذا يقدمه .

ومنه سميت القدم لانها تقديم بقية بدن الانسان .

واما ادخال القديم في اسماء الله تعالى فهو مشهور عند اكثر اهل الكلام .

وقد انكر ذلك كثير من السلف والخلف منهم ابن حزم .

ولا ريب انه اذا كان مستعملا في نفس التقدم فان ما تقدم على الحوادث كلها فههو احق بالتقدم من غيره .

ولكن اسماء الله تعالى هي الاسماء الحسنى التي تدل على خصوص ما يمدح به .

والتقدم في اللغة مطلق لا يختص بالتقدم على الحوادث فلا يكون من الاسماء الحسنى .

وجاء الشرع باسمه (الاول)

وهو احسن من القديم لانه يشعر بان ما بعده ايل اليه وتابع له بخلاف القديم

والله تعالى له الاسماء الحسنى لا الحسنة .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

القضاء والقدر

قال تعالى ( وحلق كل شيء فقدره تقديرا )

وقال (انا كل شيء خلقناه بقدر )

وقال ( وكان امر الله قدرا مقدروا )

وقال الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى )

وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( قدر الله مقادير الخلق قبل ان يخلق السموات والارض بخمسين الف سنة وكان عرشه على الماء ) .

فمقادير الخلائق مقدرة منذ الازل

واجالهم مقدرة بحيث اذا جاء اجلهم لا يستاخرون ساعة ولا يستقدمون قال تعالى ( اذا جاء اجلهم لا يستاخرون ساعة ولا يستقدمون) وقال ( وما كان لنفس ان تموت الا باذن الله كتابا مؤجلا ) .

وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود ( قالت ام حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم اللهم امتعني بزوجي رسول الله وابي سفيان وباخي معاوية قال : فقال النبي صل الله عليه وسلم قد سألت الله لاجال مضروبة وايام معدودة وارزاق مقسومة لن يعجل شيئا قبل اجله ولن يؤخر شيئا عن اجله ولو كنت سألت الله ان يعيذك من عذاب في النار وعذاب ق\في القبر كان خيرا وافضل ).

فالمقتول ميت بأجله فعلم الله تعالى وقدر وقضى ان هذا يموت بسبب المرض وهذا بسبب القتل وهذا بسبب الهدم الى غير ذلك من الاسباب والله تعالى خلق الموت والحياة وخلق سبب الموت والحياة .

وعند المعتزلة المقتول مقطوع اجله ولو لم يقتل لعاش الى اجله .

فكان له اجلان وهذا باطل لانه لا يليق ان ينسب الى الله تعالى انه جعل له اجلا يعلم انه لا يعيش اليه البته او يجعل اجله احد الامرين كفعل الجاهل بالعواقب ووجوب القصاص والضمان على القاتل لارتكابه المنهي عنه ومباشرته السبب المحظور .

وعلى هذا يخرج قوله صلى الله عليه وسلم ( صلة الرحم تزيد في العمر) أي سبب طول العمر وقد قدر الله ان هذا يصل رحمه فيعيش بهذا السبب الى هذه الغلية ولولا ذلك السبب لم يصل الى هذه الغاية ولكن قدر هذا السبب وقضاه كذلك قدر ان هذه يقطع رحمه فيعيش الى كذا كما قلنا في القتل وعدمه، والله سبحانه يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن ان لو كان كيف يكون كما قال تعالى ( ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه) وان كان يعلم انهم لا يردون ولكن اخبر انهم لو ردوا لعادوا .

كما قال تعالى ( ولو علم الله فيهم خيرا لاسمعهم ولو اسمعهم لتولوا وهم معرضون ) .

وفي هذا رد على الرافضة والقدرية والين قالوا انه لا يعلم الشيء قبل ان يخلقه ويوجده .

واصل القدر سر الله في خلقه وهو كونه اوجد وافنى وافقر واغنى وامات واحيا واضل وهدى .

قال علي رضي الهل عنه القدر سر الله فلا نشكفه .

والذي عليه اهل السنة والجماعة ان كل شيء بضاء الله وقدره وان الله تعالى خالق افعال العباد قال تعالى وخلق كل شيء فقدره تقديرا) وقال ( انا كل شيء خلقناه بقدر )

وان الله تعالى يريد الكفر من الكافر ويشاؤه ولا يرضاه ولا يحبه فيشأوه كونا ولا يرضاه ولا يرضاه دينا .

وخالف في ذلك القدرية والمعتزلة : وزعموا ان الله شاء الايمان من الكافر ولكن الكافر شاء الكفر فردوا الى هذا لئلا يقولوا شاء الكفر من الكافر وعذبه عليه .

ولكن صاروا كالمستجير من الرمضاء بالنار فانهم هربوا من شيء فوقعوا فيما هو شر منه .

فانه يلزم ان مشيئة الكافر غلبت مشيئة الله تعالى فان الله شاء الايمان منه على قولهم والكافر شاء الكفر فوقعت مشيئة الكافر دون مشيئة الله تعالى وهذا من اقبح الاعتقاد وهو قول لا دليل عليه بل هو مخالف للدليل .

قيل لابن عباس ان رجلا قدم علينا يكذب بالقدر : فقال دلوني عليه وهو يومئذ قد عمى فقالوا له ما تصنع به ؟ فقال : والذي نفسي بيده لئن استمكنت منه لاعضن انفه حتى اقطعه ولئن وقعت رقبته في يدي لادقنها فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( كاني بنساء بني فهم بطن من قيس غيلان يطفن بالخزرج تصطفق الياتهن مشركات هذا اول شرك في الاسلام ) والذي نفسي بيده لينتهين بهم سوء رأيهم حتى يخرجوا الله من ان يقدر الخير كما اخرجوه من ان يقدر الشر .

وروى عمر بن الهيثم قال خرجنا في سفينة وصحبنا فيها قدري ومجوسي وقال القدري للمجوسي اسلم قال المجوسي حتى يريد الله ان الله يريد ولكن الشيطان لا يريد .

اراد الله واراد الشيطان وكان ما اراد الشيطان هذا شيطان قوي وفي رواي انا مع اقوهما .

ووقف اعرابي على حلقة فيها عمرو بن عبيد فقال يا هؤلاء ان ناقتي شسرقن فادعو الله ان يرديها علي فقال عمرو بن عبيد اللهم انك لم ترد ان تسرق ناقته فسرق فارددها عليه فقال الاعرابي لا حاجة لي في دعاء اخاف كما ارد لم لا تسرق فسرقت ان يريد ردها فلا ترد .

اما الادلة من الكتاب والسنة فقد قال تعالى ( ولو شئنا لاتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لاملان جهنم من الجنة والناس اجمعين وقال تعالى ولو شاء ربك لامنت من في الارض كلهم جميعا افانت تكره الناس حتى يقونوا مؤمنين وقال تعالى ( وما تشاءون الا ان يشاء الله ان الله كان عليما حكيما ) وقال تعالى من يشأ الله يضلله ومن يشا يجعله على صراط مستقيم ) وقال تعالى ( فمن يرد الله ان يهيده يشرح صدره للاسلام ومن يرد ان يضلله يجعل صدره ضيقا حرجا كانما يصعد في السماء ) .

ومنشا الضلال من التسوية بين المشيء والارادة وبين المحبة والرضا فسوى بينهما الجبرية والقدرية ثم اختلفا فقالت الجبرية المون كله بقضاءه وقدره فيكون محبوبا مرضيا وقالت القدرية الفناة ليست المعاصي محبوبة لله ولا مرضية وليس مقدرة ولا مضية فهي خارجة عن مشيئته وخلقه .

وقد دل على الفرق بين المشيئة ومحبة الكتاب والسنة والفطرة السبليسمة اما نصوص المشيئة فقد تقد ذكرها من الكتاب واما نصوص المحبة الرضا فقال تعالى والله لا يحب الفساد) ولا يرضى لعباده الكفر ) وقال عقيب ما نهى عنه من الشرك والظلم والواحش والكبر  ( كل ذلك كان سيئة عن ربك مكروها ) .

وفي الصحيح عن النبي صلى الهل عليه وسلم ان الله كره لكم ثلاثا قيل وقال وكثرة السؤال واضاعة المال وفي المسند ان الهل يحب ان يؤخذ برخصه كما يكره ان تؤتى معصيته وكان من دعاءه صلى الله عليه وسلم اللهم اني اعوذ برضاك من سخطك واعوذ بمعافاتك من عقوبتك فتامل ذكر استعادته بصفة الرضا من صفة السخط وفعل المعافاة من فعل العقوبة والاول الصفة والثاني اثرها المترتب عليها .

فان قيل كيف يريد الله امرا ولا يرضاه ولا يحبه ولا يشاءه ويكونه ؟

كيف يجمع ارادته له وبغضه وكراهتخ ؟

قيل هذا السؤال هو الذي افترق الناس لاجله فرقا وتباينت طرقهم واقوالهم فاعلم ان المراد نوعان :

مراد للنفس ومراد لغيره فالمراد لنفس مطلوب محبوب لما فهو مراد فرادته الخايات والمقاصد .

والمراد لغيره فقد لا يكون مقصودا لما يريد ولا فيه مصلحة له فالنظر الى ذاته وان كان وسيلة الى مقصوده ومراده فهو مكروه له من حيث نفسه وذاته مراد له من حيث بايصاله الى مراده .

فيجتمع فيه الامران بغضه وارادته ولا يتنافيان الاختلاف بمتعلقاتهما وهذا كالدواء الكريه اذا علم المتناول له ان فيه شفاءه وقطع العضو المتاكل اذا علم ان في قطعه بقاء جسده وقطع مسافة الشاقة اذا علم انها توصل الى مراده ومحبوبة .

بل العاقل يكتفي في اثار هذا المكروه وارادته بالظن الغالب وان خفيت عنه عاقبته فكيف مممن لا يخفي عليه خافيه فهو سبحانه يكره الشيء ولا ينافي ذلك ارادته لاجل غيره وكونه سببا الى امر هو احب اليه من فوقه .

ومن ذلك انه خلق ابليس الذي هو مادة لفساد الاديان والاعمال والاعتقادات والارادات وهو سبب لشقاءوة كثير من العباد وعملهم بما يغضب الرب سبحانه تبارك وتعالى وهو الساعي في وقوع خلاف ما يحبه الله ويرضاه8 .

ومع هذا فهو وسيلة الى محاب كثير للرب تعالى ارتبت على خلقه ووجودها احباليه من عدمها منها انه يظهر للعباد قدرة الرب تعالى على خلق المتضادات المتقابلات فخلق هذا الذات التي هي اخبث الذوات وشرها وهي السبب في كل شر في مقابلة ذات جبريل التي هي من اشرف الذوات واطهرها وازكاها وهي مادة كل خير وتبارك الله خالق هذا وهذا .

كما ظهر قدرته قي خلق الليل والنهار والدواء والداء والحياة والموت والخير والشر .

وذلك من ادل الدليل على كمال قدرته وعزته وملكه وسلطانه فانه خلق هذه المتضادات وقابلها بعضها ببعض وجعلها محال تصرفه وتدبيره .

فخلو الوجود عن بعضها بالكلية تعطيل لحكمته وكمال تصرفه وتدبير ملكه .

ومنها ظهور اسماءه القهرية مثل القهارؤ والمنتقم والعدل والضار وشديد العقاب والسريع العقاب وذي البطش الشديد والخافض والمذل فان هذه الاسماء والافعال كمال ولا بد من وجود متعلقها ولو كان الجن ولانس على طبيعة الملائكة لم يظهر اثر هذه الاسماء .

منها ظهور اثار اسماءه المتضمنة لحلمه وعفوه ومغفرته وستره وتجاوزه عن حقه وعتقه لمن شاء من عبيده .

فلولا خلق ما يكرهه من الاسباب المفضية الى ظهور اثار هذه الاسماء لتعطلت هذا الحكم والفوائد .

وقد اشر النبي صلى الله عليه وسلم الى هذا بقوله ( لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ويستغفرون فيغفر لهم )

ومنها ظهور اثار اسماء الحكمة والخبرة فانه الحكيم الخبير الذي يضع الاشياء مواضعها وينزلها منازلها اللائقة بها فلا يضع الشيء في غير موضعه ولا ينزله في غير منزله التي يقتضيها كمال عمله .

وحكمته وخبرته فهو اعلم حيث يجعل رسالته واعلم بمن يصلح لقبولها ويشكره على انتهائها اليه واعلم بمن لا يصلح لذلك .

فلو قدر عدم الاسباب المكروهة لتعطلت حكم كثيرة ولفاتت مصالح عديدة .

ولو عطلت تلك الاسباب لما فيها من الشر لتعطيل الخير الذي هو اعظم من الشر الذي في تلك الاسباب .

وهذا كالشمس والمطر والرياح التي فيها من المصالح ما هو اضعاف اضعاف ما يحصل بها من الشر .

ومنها حصول العبودية المتنوعة : التي لولا خلق ابليس لما حصلت .

فان عبودية الجهاد من احب انواع العبودية اليه سبحانه ولو كان الناس كلهم مؤمنين لتعطلت هذه العبودية وتوابعها من الموالاة لله سبحانه والمعاداة فيه وعبودية التوبة والاستغفار وعبودية الاستعاذة بالله ان يجير من عدوه ويعصمه من كيده واذاه الى غير ذلك من الحكم التي تعجز العقول عن ادراكها .

فان قيل : فهل كان يمكن وجود تلك الحكم بدون هذه الاسباب ؟

فهذا سؤال فاسد وهو فرض وجود الملزوم بدون لازمه كفرض وجود الابن بدون الاب والحركة بدون المتحرك والتوبة بدون التائب .

فان قيل : اذا كان الكفر بقضاء الله وقدره ونحن مامورون ان نرضى بقضاء الله فكيف ننكره ونكرهه؟ فالجواب: ان يقال اولا: نحن غير مأمورين بالرضى بكل ما يقضيه الله ويقدره ولم يرد بذلك كتاب ولا سنة بل من المقضي ما يرضى به ومنه ما يسخط ويمقت كما لا يرضى به القاضي لاقضيته سبحانه بل من القضاء ما يسخط كما ان من الاعيان المقضية ما يغضب عليه ويمقت ويلعن ويذم .

ويقال ثانيا: هنا امران: قضاء الله وهو فعل قائم بذات الله تعالى .

ومضي: وهو المفعول المنفصل عنه فالقضاء كله خير وعدل وحكمة نرضى به كله .

والمقضي قسمان: منه ما يرضى به ومنه ما لا يرضى به .

ويقال ثالثا: القضاء له وجهان : احدهما: تعلقه بالرب تعالى ونسبته اليه فمن هذا الوجه يرضى به .

والوجه الثاني : تعلقه بالعبد ونسبته فمنهذا الوجه ينقسم الى ما يرضى به والى مالا يرضى به .

مثال ذلك : قتل النفس له اعتباران : فمن حيث قدره الله وقضاه وكتبه وشاءه وجعله اجلا للمقتول ونهاية لعمره يرضى به ومن حيث صدر من القاتل وباشره وكسبه واقدم عليه باختياره وعصى الله بفعله نسخطه ولا نرضى به .

والتعمق والمبالغة في طلب القدر والغوص في الكلام فيه ذريعة الخذلان .

عن ابي هريرة رضى الله عنه قال جاء ناس من اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسالوه: انا نجد انفسنا ما يتعاظما احدنا ان يتكلم به . قال وقد وجدتموه؟ قالور نعم قال : ذلك صريح الايمان ) رواه مسلم .

ولمسلم عن ابن مسعود قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوسوسة فقال : تلك محض الايمان .

وهو بمعنى حديث ابي هريرة فان وسوة النفس او مدافعة وساوسها بمنزلة المحادثة الكائنة بين اثنين فمدافعة الوسوسة الشيطانية واستعظمها صريح الايمان ومحض الايمان .

هذه طريقة الصحابة رضي الله عنهم والتابعين لهم باحسان .

والايمان بالقدر خيره وشره وحلوه ومره من الله تعالى من اركان الايمان قال تعالى ( قل لن يصبنا الا ما كتب الله لنا ) وقال صلى الله عليه وسلم وتأمنوا بالقدر خيره وشره وقال تعالى ( ان تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الهل وان تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ) ( ما اصابك من حسنة فمن الهل وما اصابك من سيئة فمن نفسك ) .

فان قيل فكيف الجمع بين قوله 0 كل من عند الله ) وبين قوله ( فمن نفسك) ؟

قيل قوله ( كل من عند الله ) الغصب والجدب والنصر والهزيمة كلها من عند الله وقوله ( فمن نفسك ) أي ما اصابك من سيئة فمن الهل فبذنب نفسك عقوبة لك .

كما قال تعالى وما اصابيكم من مصيبة فبما كسبت ايديكم ) .

يدل على ذلك ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما انه قرا ( وما اصابك من سيئة فمن نفسك وانا كتبتها عليك ) والمراد بالحسنة هنا النعمة وبالسيئة البلية في اصح الاقوال .

وقد قيل الحسنة الطاعة والسئية المعصية .

وقيل الحسنة وما اصابه والسيئة ما اصابه يوم احد .

والقول الاول شامل لمعنى القول الثالث والمعنى الثاني ليس مرادا دون الاول قطعا ولكن لا منافاة بين ان تكون سيئة العمل وسيئة الجزاء من نفسه مع ان الجميع مقدر فان المعصية الثانية قد تكون عقوبة الاولى بتكون من سيئات الجزاء مع انها من سيئات العمل والحسنة الثانية قد تكون ثواب الاولى كما دل على ذلك الكتاب والسنة .

وفرق سبحانه وتعالى بين الحسنات التي هي النعم وبين السيئات التي هي المصائب فجعل هذه من الله وهذه من نفس الانسان لان الحسنة مضافة الى الله اذ هو احسن بها من وجه فما من وجه من اوجهها الا وهو يقتضي الاضافة اليه واما السيئة فهم انما يخلقها لحكمة وهي باعتبار تلك الحكمة من احسانه فان الرب لا يفعل سيئة قط بل فعله كله حسن وخير .

ولهذا كان النبي صلى الهل عليه وسلم يقو في الاستفتاح ( والخير كله بين يديك والشر ليس اليك )

أي: فانك لا تخلق الشر محضا بل كل ما يخلقه ففيه حكمة هو باعتبارها خير ولكن قديكون فيه شر لبعض الناس وفهذا شر جزئي اضافي .

فاما شر كلي او شر مطلق فالرب سبحانه وتعالى منزه عنه وهذا هو الشر الذي ليس اليه .

ولهذا لا يضاف الشر اليه مفردا قط بل اما يدخل في عموم المخلوقات قوله تعالى ( الله خالق كل شي ) ( كل من عند الله )

واما ان يضاف من السبب ( من شر ما خلق)

واما ان يحذف فاعله ققول الجن وانا لا ندري اشر اريد بمن في الارض ام اراد بهم ربهم رشدا .

وليس اذا خلق ما يتاذى به بعض الحيوان لا يكون فيه حكمة بل لله من الرحمة والحكمة ما لا يقدر قدرة الا الله تعالى .

وليس اذا وقع في المخلوقات ما هو شر جزئي بالاضافة يكون شرا كليا عاما بل الامور العامة الكلية لا تكون الا خيرا او مصلحة للعباد كالمطر العام وكارسال رسول عام .

وهذا مما يقتضي انه لا يجوز ان يؤيد كذابا عليه بالمعجزات التي ايد بها الصادقين فان هذا شرا عام للناس يضلهم فيفسد عليهم دينهم ودنياهم واخرتهم .

وليس هذا كالملك الظالم والعدو فان الملك الظالم لا بد ان يدفع الله به من الشر اكثر من ظلمه .

وقد قيل ستون سنة بايمام ظالم خير من ليلة واحدة بلا امام .

واذا قدر كثرة ظلمه فذلك خير في الدين كالمصائب تكون كفارة لذنوبهم ويثابون على الصبر عليه ويرجعون فيه الى الله ويستغفرونه ويتوبون اليه .

وكذلك ما يسلط عليهم من العدو .

ولهذا قد يسلط الهل كثيرا من الملوك الظالمين مدة واما المتنبؤون الكذابون فلا يطيل تمكينهم بل لا بد ان يهلكهم لان فسادهم عام في الدين والدنيا والاخرة ( ولو تقول لينا بعض الاقاويل لاخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين ) .

وفي قوله فمن نفسك ) من الفوائد : ان العبد لا يطمئن الى نفسه ولا يسكن اليها فان الشر كامن فيها ولا يجيء الا منها ولا يشتغل بملام الناس ولا ذمهم اذا اساؤا اليه فان ذلك من السيئات الي اصابته وهي انما اصابته بذنوبه فيرجع الى الذنوب ويستعيذ بالله من شر نفسه وسيئات عمله ويسال الله ان يعينه على طاعته فبذلك يحصل له كل الخير ويندفع عنه كل الشر .

ولهذا كان انفع الدعاء واعظمه واحكمه دعاء الفاتحة ( اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين انعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا ضالين امين ) .

فانه اذ هداه هذا الصراط اعانه على طاعته وترك معصيته فلم يصبه شر لا في الدنيا ولا في الاخرة .

لكن الذنوب هي لوازم نفس الانسان وهو محتاج الى الهدى كل لحظة وهو الى الهدى احوج منه الى الطعام والشراب ليس كما يقوله بعض المفسرين انه قد هداه فلماذا يسال الهدى وان المراد التثبيت او مزيد الهداية .

بل العبد محتاج الى ان يعلمه الله ما يفعله من تفاصيل احواله والى ما يتركه من تفاصيل الامور في كل يوم والى ان يعمل ذلك .

فانه لا يكفي مجرد علمه ان لم يجعله مريدا للعمل بما يعلمه والا كان العلم حجة عليه ولم يكن مهتديا ومحتاج الى ان يجعله قادرا على العمل بتلك الادارة الصالحة فان المجهول لنا من الحق اضعاف المهلوم وما لا نريد فعله تهوانا وكسلا مثل ما نريده او اكثر منه او دونه وما لا نقدر عليه مما نريد كذلك .

وما نعرف جملته ولا نهتدي لتفاصيله فامر يفوت الحسرة ونحن محتاجون الى الهداية التامة .

فمن كملت له هذه الامور كان سؤاله سؤال تثبيت وهي اخر الرتب .

وبعد ذلك كله هداية اخرى وهي الهداية الى طريق الجنة في الاخرة .

ولهذا كان الناس مامورين بهذا الدعاء في كل صلاة لفرط حاجتهم اليه ، فليسوا الى شيء احوج منهم الى هذا الدعاء فيجي ان يعلم ان الله بفضل رحمته جعل هذا الدعاء من اعظم الاسباب المقتضية للخير المانعة من الشر فقد بين القران ان السيئات من النفس وان كانت بقدر الله وان الحسنات كلها من الله تعالى .

واذا كان الامر كذلك وجب ان يشكر الله سبحانه وان يستغفره العبد من ذنوبه وان يتوكل الا عليه وحده .

فلا يأتي بالحسنات الا هو فاوجب ذلك توحيده والتوكل عليه وحده والشكر له وحدة والاستغفار من الذنوب .

وهذه الامور كان النبي صلى الهل عليه وسلم يجمعها في الصلاة كما ثبت عنه في الصحيح انه كان اذا رفع راسه من الركوع ( ربنا لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه ملىء السموات وملىء الارض وملىء وما شئت من شيء بعد اهل الثناء والمجد احق ما قاله العبد وكلنا لك عبيد ) فهذا حمد وهو شكر لله تعالى وبيان ان حمده احق ما قاله العبد ثم يقول بعد ذلك ( لا مانع لما اعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد ) وهذا تحقيق الوحدانية وتوحيد الربوبية خلقا وقدرا وبداية ونهاية لا ما نع لما اعطي ولما منع .

ولتوحيد الاولهية شرعا وامرا ونهايا وان العبادة وان كانوا يعطون جدا ملكا وعظما وبختا ورياسة او في الباطن كاصحاب المكاشفات والتصرفات الخارقة فلا ينفع ذا الجد منك الجد أي لا ينجيه ولا يخلصه ولهذا قال : لا ينفعه منك ولم يقل ولا ينفعه عندك لانه لو قيل ذلك اوهم انه لا يتقرب به اليك لك قد لا يضره فتضمن هذا الكلام تحقيق التوحيد او تحقيق قوله تعالى ( اياك نعبد واياك نستعين ) فانه لو قدر ان شيئا من الاسباب يكون مستقلا بالمطلوب وما ان يكون بمشيئة الله وتيسيره لكن الواجب لا يرجى الا الله ولا يتوكل الا عليه ولا يسال الا هو ولا يستغاث الا به ولا يستعان الا هو فله الحمد واليه االمشكتى وهو المستعان وبه المستغاث ولا حول ولا قوة الا به .

فكيف وليس شيء من الاسباب مستقلا بمطلوب بل لا بد من انضمام اسباب اخرى اليه ولا بد ايضا من صرف الموانع والمعارضات عنه وحتى يصل المقصود فكل سبب فله شريك وله ضد فان لم يعاونه شريه ولم ينصرف عنه ضده ولم يحصل مسببه .

فالمطر وحدة لا ينبت النبات الا بما يضم اليه من الهواء والتراب وغير ذلك ثم الزرع لا يتم حتى تصرف عنه الافات المفسدة له والطعام والشراب لا يغذي الا بما جعل في البدن ومجموع ذلك يفيد ان لم تصرف عنه المفسدات .

 والمخلوق الذي يعطيك او ينصرك مع ان الله يجعل فيه الارادة والقوة والفعل فلا يتم ما يفعله الا باسباب كثيرة خارجة عن قدرته وتعاونه على مطلوبه ولو كان ملكا مطاعا ولا بد ان يصرف عن الاسباب الممنوعة ما يعارضها ويمانعها فلا يتم الملطوب الا بوجود المقتضى وعدم المانع .

وكل سبب وانما هو جزىء من المقتضى فيس في الوجود شيء واحخد هو مقتضى تام وان سمي مقضيا وسمي سائر ما يعينه شروطا فهذا نزاع لفظي .

وواما ان يكون في الملخوقات علة تامة تستلزم معلوهها فهذا باطل ومن عرف هذا حق المعرفة انفتح له باب توحيد الله وعلم انه لا يستحق ان يسال غيره فضلا عن ان يعبد غيره ولا يتوكل على غيره ولا يرجى غيره .

أدلة القضاء والقدر

تتفرع ضرورة الايمان بالقضاء والقدر من دليلين اثنين :

أولهما : الحديث الصيحي الذي رواه مسلم ( الايمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الاخر وبالقدر خيره وشره ) .

ثانيهما : ان الله عزوجل يتصف بالعلم والقدرة فالقضاء فرع من ثبوت صفة العلم والارداة لله عز وجل والقدر فرع عن ثبوت صفة القدرة له .

تعريف كل منهما :

فأما القضاء : هو علم الله عزوجل في الأزل بالاشياء كلها على ما ستكون عليه في المستقبل .

والقدر ايجاد تلك الاشياء بالفعل طبقا لعلمه الازلي المتعلق بها وقد عكس بعضهم فجعل تعريف القضاء للقدر وتعريف القدر للقضاء والامر محتمل والخطب فيه يسير .

ومعنى وجوب الايمان بهما : كما ذهب اليه عامة أهل السنة والجماعة هو انه يجب على المكلف أن يؤمن بأن الله سبحانه وتعالى علم أولا بجميع أفعال العباد وكل ما يتعلق بالمخلوقات مما سيتوالى حدوثه في المستقبل كما يجب عليه أن يؤمن بأنه سبحانه وتعالى إنما أوجدها حين أوجدهما على القدر المخصوص والوجه المعين الذي سبق العلم به .

ومن هنا تعلم بأنه لا علاقة للقضاء والقدر بالجبر مطلقا كما يتوهم بعض الناس لأن الله سبحانه وتعالى ( بموجب الوهيته) لا بد ان يكون عالما بما سيفعله عباده من مختلف الاعمال وبما سيقع ويحصل في ملكه والا كان ذلك نقصا في صفاته التي ذكرناها .

ثم لا بد ايضا ان تقع هذه الامور مطابقة لعلم الله تعالى عنها والا لانقلب علمه جهلا وهو محال .

وواضح ان هذا كله لا علاقة له بكون هذه الافعال قد صدرت عن أصحابها على وجه القسر والاكراه او بمحض الارادة والاختيار فقد علمت ان العلم صفة كاشفة فقط .

وكل شانها أنها تكشف عن الامور ما هي عليه أو على ما ستوجد عليه وهو شيء لا علاقة له بالجبر او التخيير .

يقول النووي رحمه الله في شرحه على صحيح مسلم بعد ان عرف القضاء والقدر بما ذكرناه ( قال الخطابي: وقد يحسب كثير من الناس ان معنى القضاء والقدر اجبار لله سبحانه وتعالى العبد وقهره على ما قدره وقضاه وليس الامر كما يتوهمونه وانما معناه الاخبار عن تقدم علم الله سبحانه وتعالى بما يكون من اكساب العبد وصدورها عن تقدير منه ) .

وذكر ابن حجر في شرحه على حديث ابن عمر عن الايمان تعريف القضاء فقال : ( والقضاء علم الله أولا بالاشياء على ما هي عليه والقدر ايجاده اياها على ما يطابق العلم ) .

اذا علمت هذا فان لسائل أن يقول : فهب أن العلم لا علاقة له بالاشياء الا على وجه الكشف عنها كما ذكرت .

ولكن اليس وجود الاشياء التي قضى الله أنها ستوجد ( أي علم بوجودها) بموجب خلقه هو ؟ وبموجب ارادته؟ اذا فقد انتهى الامر الى القسر والاكراه ان لم يكن بتعلق العلم فبتعلق الخلق والارادة .

والجواب : أن كل شيء لا يوجد ولا يتكيف الا بخلق الله جل جلاله ولا يتم أيضا الا بارادته وقد اوضحناه فيما سبق .

أما ما يترتب عليه في ظنك من القسر والاجبار فاليك بيان ذلك بالنسبة لقضية الخلق أولا ثم الارادة .

ثانيا : تنقسم مخلوقات الله تعالى الى قسمين :

القسم الاول : مخلوقات لا كسب لاحد وهي كل ما يقع في الكون على وجه القسر والحتمية كحركة الافلاك والفصول ونمو الاشجار والنباتات والانسان وككثير من وظائف الانسان وحركاته كالنوم واليقظة وحركة الارتعاش والموت وما اشبه ذلك .

ولا كلام لنا في هذا القسم اذ لا اشكال فيه .

خصوص اذا كنت قد علمت بأن الانسان ليس مكلفا بالنسبة لشيء من تصرفاته واوضاعه القسرية ولا يتعلق بها ثواب ولا عقاب .

القسم الثاني : مخلوقات اكتسابية يتصف بها الانسان بكسبه وسعيه الاختياري كاقباله على الطعام والشراب والدراسة وكمختلف ما يختاره لنفسه من السلوك والاعمال وهذا ما يعلق به الاشكال .

فاعلم اولا ان افعال الانسان الاختيارية من جملة مخلوقات الله عزوجل .

فالله هو الذي يخلق فيك الاقبال على الدراسة والانصراف عنها وهو الذي يخلق فيك تصرفاتك كلها من طاعة وعصيان .

ثبت ذلك بالدليل العقلي البين :

اذ لو لم يكن شيء من ذلك بخلق الله وقدرته لما اتصف اذا بكل صفات الكمال ولكان ذلك بتاثير مستقل من غيره وهو محال على الله .

كما قد علمته بالدليل النقلي القاطع وهو قوله عزوجل ( وخلق كل شيء فقدره تقديرا) والفعل من جملة الاشياء بلا شك هذه ما عليه عامة أهل السنة والجماعة .

غير ان خلق الله لافعالك لا يستلزم ان تكون مكرها عليها وليس بينها أي تلازم الا فيما يتوهم بعض الناس .

ذلك لان تلبسك بفعل ما يتوقف على امرين اثنين : وجود هذه الفعل في الخارج ( أي وجود مقوماته المادية والمعنوية ) ثم اكتسابك له عن طريق انبعاثك نحوه .

فأنت مريد ومختار بوصفك كاسبا له ومنبعثا اليه بوصفك خالقاا وموجدا لمقوماته وعناصره .

وايضاح ذلك بالتمثيل الحسي أن نقول : ان اليد وما فيها من حياة وشرايين واعصاب ودماء وبما تتصف به ليس كل ذلك من القدرة على الحركة كل ذلك بخلق الله عزوجل والورق الذي امامك في صورته وجوهره وخصائصه من خلق الله ايضا والقابلية الموجودة في القلم للكتابة هو ايضا من خلق الله عزوجل .

وتلاقي هذه العناصر كلها خطا مرقوما على الورق لا شك انه هو ايضا بقدرة الله عزوجل وخلقه فهذا معنى قولنا : ان الله هو الخالق لفعل الانسان .

ولكن هل ينسب اليك انك كتبت سطرا على الورق بمجرد تكامل هذه العناصر كلها ؟ لا .

ان خالقية الله لهذه العناصر كلها لا تعني انك قد كتبت وهذه واضح جدا .

لا بد لكي توجد الكتابة منك ان تعزم في نفسك على الكتابة وان تنبعث ارادتك الى التنفيذ فحينئذ ياذن الهل تعالى للقوة التي اودعها في يدك ان تلبي وللشرايين والاوردة ان تساعدك على قصدك وللحبر ان ينساب كما تشاء وللورق ان يتاثر بذلك على النحو الذي تتحقق فوقه الكتابة وعندئذ تسمى كاتبا وينسب اليك هذا الفعل .

رغم ان الله عزوجل هو الخالق له .

أي فالقصد والعزيمة والكسب منك وذلك بسر الارادة التي ركبها الله في نفسك وخلق الفعل واسبابه القريبة والبعيدة من الله تعالى .

زانما تكون المقاضاة والمحاسبة على القصد والكسب لا على خلق الوسائل والاسباب وخلق الفعل نفسه وهذه حقيقة نعلمها جميعا في حياتنا الاجتماعية والقانوينة .

فالمقاضاة انما تكون على الكسب لا على جوهر الفعل المستقبل بذاته .

ان الذي يدهس بسيارته انسانا فيقتله لا يقاضى على الفعل لانه ليس هو صاحب الفعل بالذات بل صاحب الفعل المباشر هو السيارة نفسها .

ولكنه يقاضى على الكسب .

والي جاء بالعمال فحفروا له في قارعة الطريق حوضا ابو بئرا لا يعاقب لى افساده للطريق لانه هو الفاعل بل لانه هو الكاسب .

والذي جاء بقارورة السم فوضعها في مكان قارورة الدواء التي الى جانب المريض فتناول منها المريض فمات يقاضى ويقاصص مع انه ليس هو الفاعل ولكنه الكاسب للفعل والمتلبس به .

والله عزوجل انما يقضى عباده ويحاسبهم على هذه الشيء الذي اسمه الكسب .

أي على الانبعاث النفسي الى التلبس بالفعل ولقد شاء ان يجعل خلقه وقدرته وفقا لانبعاثهم حتى يكون ذلك بمثابة السجل التي تثبت فيه هذه الانبعاثات مجسدة في مظهر الفعل الذي ظهرت فيه .

فقد علمت اذا ان تعلق صفة الخلق بكل ما قد علم الله وجوده فيما لا يزال لا يستلزم شيئا من القسر والجبر المتوهيمين .

اما ان علمه بوجود هذه المخلوقات والافعال يستلزم تعلق ارادته بها فواضح انه لا اشكال في ذلك بالنسبة للقسم الاول من المخلوقات .

واما القسم الثاني وهو المخلوقات الاكتسابية القائمة على الاختيار الانساني فقد علمت ان ارادة الله عزوجل متعلقة بخلق سر الارادة في كيانك وهو مستلزم كما تعلم لتعلق الارادة الالهية بما تختاره انت من الشؤون والافعال بموجب هذه الارادة التي منحك اياها ولكن ذلك ليس موجبا لان تكون مجبرا غير مخير والا لوقع التناقض بين قولنا : انه وهبك سر الارادة التي تنبعث بها الى اختيار الافعال وقولنا ان ما تختاره بموجبها فعل قسري تقوم به جبرا عنك .

ولعلك تسال بعد ذلك : ولكن الله يقول في كتابه ( ولو شاء لهداكم اجمعين ) ويقول ( ولو شاء ربك لامن من في الارض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) .

وفي القران ايات اخرى بهذا المعنى .

وهذا انما يثبت ان ارادة الانسان اسيرة فيقبضه الله عزوجل .

والجواب ان هذه الايات التي نعنيها ليست من بحثنا هذه في شيء .

وانما هي توضح حقيقة مستقلة اخرى لا شك فيها ولا نزاع وهي ان الله عزوجل لو شاء لامدهم بلطف من عنده يجعلهم يختارون الايمان والانصياع للحق دون ان (يست) لشيء من اهوائهم ورعوائهم او وساوس شيطانهم ولكنه لم يشأ ذلك .

با شاء أن يضع الانسان بين واقعين يتجاذبانه وهما النفس بشهواتها والعقل بتدبيره .

كي يتجلى في طاعته لله معنى الجهاد والتكليف .

والا لما احرز المجاهدون والمستقيمون على الطاعة أي اجر على جهادهم اذا لا جهاد حينئذ اصلا ً .

هذه ما تعبر عنه هذه الايات فما علاقة هذه المعنى بموضوعنا الذي اثبتناه من ان الانسان مخير مريد بالنسبة للتصرفات الاختيارية ؟

ولكن ينبغي ان تعلم بعد هذا كله ان ارادتك التي بين جنبيك معرضة لتاثرات من الطاف الله عزوجل وعقابه فرب انسان لطف الله به فوفقه للرغبة في الخير والانبعاث نحو سبيل الحق .

ورب انسنا حاق به عقاب الله في الدنيا فعميت ارادته الا عن لشر ولم يتجه قصده الا نحو اسباب الشقاء .

غير ان سنة الله في عباده جارية على ان يكون لذلك اللطف اسباب معينة يكتسبها الانسان ولهذه العقوبة اسباب اخرى يتعرض لها الانسان .

فمن عقد العزم منذ اول الطريق على ان لا يعاند الحق اذا راه وان لا يعطل عقله الذي وهبه الله اياه .

حتىاذا امن بالله وادرك انه اله وهو عبد له اخذ يبسط يديه بالذل نحوه ويساله مقبلا عليه في دعاء منكسر .

واجف ان يعينه في امره وان يوقفه لتمسك باحكامه وان يضيف الى طاقته عناية من رحمته.

 ادركته الطاف الله ورعايته فيزيد الى طاقته طاقة اخرى من توفقيه ويزيد الى عقله عقلا اخر من هدايته ويضع في ارادته معنى العزيمة ولااصرار وعن هؤولاء يقول الهل عزوجل ( والذين اهتدوا زاهدهم هدا واتاهم تقواهم ) ويقول ( ويزيد الله الذين اهتدوا هدى ) ويقول ( ان الذين امنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بايميانهم ) .

والمهم ان تعلم ان الهل عزوجل قد جعل من صدق اتجاه الانسان الى معرفة الحق ثم من مظاهر تذلله ودعائه له عقلا ثانيا يهبه اياه بالنسبة لادراك الوهية الله والانصياع الى الحق الذي من وراءه .

اما من عقد العزم منذ اول الطريق على معاندة ما لا يرغب فيه من المبدأ والسلوك وان كان حقا في ذاته وان يتصامم عن وحي العقل الذي في راسه وان لا يلبي الا نداء شهواته واهواءه ثم مضى يسلك بنفسه طبق هذا العزم والتصميم مشعرا كل من يحاول ان يذكره بطرف من الحق الالهي انه مقرر سلفا ان لا يفهم شيئا مما يلقى اليه في هذا الباب فان سنة الله جرت بالنسبة لهؤلاء ان يزج بهم في ميزيد من الغواية والضلالات العقلية _ وان يذيب اغرادتهم فيما يضرم عليهم من سعير الشهوات والاهواء المتاججة وان يبتلهيهم بمزيد من الانصراف عن موعظة المذكريين وايات الهل في العالمين وعن هؤلاء يقول ربنا عزوجل _ ( ومن اظلم ممن ذكر بايات ربه فاعرض عنها ونسي ما قدمت يداه انا جعلنا على قلوبهم اكنة ان يفقهوه وفي اذانهم وقرا وان تدعوهم الى الهدى لن يهتدوا اذا ابدا )

ويقول ( ساصرف عن اياتي الذين يتكبرون في الارض بغير الحق وان يروا كل ايه لا يامنوا بها وان يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وان يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ) .

وقال ( يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به الا الفاسقين ) .

ويقول ( وما كان الله ليضل قوما بعد اذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون ) .

وهذه السنة الالهية هي التفسير التطبيقي لقوله تعالى فان الله يضل من يشاء ويهيد من يشاء ) .

وقوله تعالى ( ومن يضلل الله فلا له من هاد )

أي ان الله لا يعجزه شيء ان يقذف اسبا الهداية الجبرية في قلب اضل الكافرين والمارقين وان يقذف اسباب الضلالة في قلب اصلح من عباده المؤمنين .

ولكنه سبحانه كتب على نفسه ( تفضلا واحسانا ) .

ان لا يضل من الناس الا من تعرض لاسباب الغواية وصرف نفسه عن وسائل الهداية واسبابها .

وان يقربب اسباب الهداية والتوفيق لكل من عزم على استجابة امر الله وتكاليفة وبسط يد العبودية نحوه يساله العون والتاييد .

بل رب خصلة من الاعمال الصالحة تبدر من غوي فاجر في لحظة استيقظت فيها انسانيته وفطرته فتكون سبب الهادية له وتكون عاملا عظيما في تحويل مجرى حياته .

ورب خصلة من القبائح العظيمة عند الله تبدر من رجل صال يرتكبها غير مبال بها ثم لا يشعر بعدها بما يدعوه الي التوبة عنها والندم على ما فعل فتكون سبب مقت الله له وعاملا كبيرا في تحول مجرى حياته هو الاخر .

وهذا هو المراد بقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح ( فوالذي نفسي بيده ان احدكم ليعمل بعمل اهل الجنة حتى ما يكون بينها وبينه الا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل اهل النار فيدخلها والذي نفسي بيده ان احدكم ليعمل بعمل النار حتى لا يكون بينه وبينها الا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل اهل الجنة فيدخلها) .

 

مصير الإرادة الانسانية امام ارادة الله جل جلاله

 

قد علمنا بأن ارادة الله تعالى مطلقة وكاملة وصالحة للتعلق بكل الممكنات فكيف نتصور ان تكون للانسان ايضا ارداة  الى جانبها؟ وقد علمنا ببراهين التجربة والمشاهدة ان الانسان يريد ويختار في كثير من سلوكه وتصوراته فما نوع هذه الارادة وحقيقتها بل وما مصيرها في جنب ارادة الله؟

والجواب: أن الله عز وجل لما خلق الانسان أقامه على نوعين من الحركة والتصرف:

اما احدهما فيستوي فيه الانسان مع سائر الموجودات الاخرى من حيوانات وجمادات ونبات وأفلاك: حركات قسرية ووظائف آليه ليس للانسان فيها اي كسب او مشيئة كحركة النمو وما يتبعه من قوة وشيب وضعف وكالولادة والموت وكالانفعالات المختلفة من حب وكراهية وجوع وعطش وخوف وفزع.

اما النوع الثاني منهما فتصرفات تنشأ من سر عجيب خاص اودعه الله عز وجل في الانسان نسميه الاختيار والارادة فلقد تعلقت ارداة الله عز وجل بأن يغرس في كيان الانسان هذا السر الذي هو محور التكليف فيه وان يجعليه يصدر في كثير من تصرفاته عن هذا السر الذي به يسمى حرا ومختارا.

ومعنى ذلك ان ارادة الله تعالى تعلقت بان تكون مريدا فسرت ارادة الله عز وجل بذلك الى كل ما تريده وتختاره من الاعمال واذا فلا يمكن ان يقع اي تعارض بين ارادة الله تعالى وما تختاره عن طريق ارادتك الخاصة اذا لو فرضنا ان الله غير مريد لعمل قد اخترته بإرادتك فمعنى ذلك انه سبحانه وتعالى غير مريد لارادتك التي وجهتك الى ذلك الفعل وهو مناقض لما ثبت من ان الله عز وجل قد شاء لك ان تكون مريدا وشاء ان يخلق فيك هذا السر، فثبت بطلان فرض ان الله قد لا يريدالعمل الذي تختاره :

ونضرب لك مثلا يقرب اليك هذه الحقيقة: خادم عندك في الدار تريد ان تعلم مدى صدقه وامانته في الخدمة والمعاملة ولكي تصل الى بغيتك هذه تعطيه مبلغا من المال وتبعثه الى السوق لشراء بعض الحوائج وتفسح له المجال ان يتصرف كما يشاء ودون ان تضع عليه رقيبا او تضيق عليه السبيل فأنت بترتيبك هذا اردت ان يكون حرا فيما يفعل ويذر لا يستجيب الا لنداء ضميره وتفكيره الداخلي اي تعلقت ارادتك بان يكون هذا الخادم  مريدا لما يصنع، اراده لا يشوبها قسر، حتى تعلم بذلك طويته فإذا عاد وقد خان الامانة فيما اعطيته من المال وما عاد به من المتاع فانت في الواقع مريد لهذه النتيجة واذا عاد وقد حقق منتهى الامانه في عمله فانت مريد ايضا لهذه النتيجة اذا انت لم ترد اطلاق يده بالتصرف كما يشاء الا وانت مريد لظهور نتيجة ذلك ايا كانت النتيجة سواء كنت تحبها وترضاها ام لا.

إذا تبين لك هذا علمنا ان مصير الارادة الانسانية في جنب ارادة الله ليس الا كمصير ارادة الخادم في جنب ارادة سيده ولله المثل الاعلى(فارادتك المتعلقة بتصرفاتك الاختيارية منطوية تحت ارادة الله تعالى، ولكن لا عن طريق القسر والاكراه كما هو شأن ارادته المتعلقة بالنوع الاول من حركات ووظائف وانما عن طريق بث سرالارادة والاختيار في كيانك وكانت حكمته من ذلك ان تكسب بموجبها كل ما تحب دون قسر او اكراه لتتجلى طويتك في سلوكك فتنال بذلك مثوبة الله اوعقابه وواضح ان سلوكك هذا يصبح بسبب ذلك من مرادات الله عز وجل

 

وهكذا تعلم ان الله لا يقع في ملكه الا ما يشاء ويريد، ولا يناقض ذلك انه اعطاك انت ايضا ارادة ومشيئة كما لا يناقض علمه بالاشياء كلها انه اعطاك انت ايضا علما ببعض يسير منها.

 ولعلك تسأل بعد هذا: فكيف يعاقب الله الانسان على فعل هو من مرادات الله عزوجل بل وكيف يكون السلوك الذي نهى الله الانسان عنه مراد لله في الوقت نفسه.

والجواب: ان هذا الاشكال فرع عن وهم ينبغي ان تحذر الوقوع فيه الا وهو توهم ان الاراده والامر بمعنى واحد وان الواحد منهما يستلزم الاخر

وهذا خطأ كبير في التقدير فقد علمت فيما سبق انه لا يقع شيء في الكون الا بإرادته والا لكان ثمة ما هو موجود من فوق مشيئته واختياره فهو من اجل مظاهر العجز والضعف التي ننزه الله عز وجل عنها وقد علمت ايضا بأن الله يقول في كتابه( ولا يرضى لعباده الكفر وان تشكروا يرضه لكم))

اذا فكفر ابو جهل مثلا داخل في مرادات الله عز وجل كما ذكرناه وغير داخل فيما يرضى الله عز وجل وفيما قد امر به لدلالة الايه الصريحة على ذلك

وفي مثال الخادم الذي ذكرته لك انفا ما ينبهك الى هذه الحقيقة فقد قلنا( انك لم ترد اطلاق يده بالتصرف بما لك كما يشاء الا وانت مريد لظهور نتيجة ذلك ايا كانت النتيجة سواء كنت تحبها وترضاها ام لا). فهذه حقيقة نلمسها جميعا في تجاربنا وتصرفاتنا الشخصية ومعاملة بعضنا لبعض، انني بكل تأكيد لا احب من تلميذي ان يكون فاشلا في دراسته غير ناجح فيها، واظل اكرر على مسامعه الامر بالدراسه وبذل الجهد ومع ذلك فانا عند ما اريد ان اختبره في نهاية العام فإن ارادتي هذه تسري من غير شك الى النتيجة ايا كانت نجاحا ام رسوبا، ولا يمكن ان يعتقد عاقل من الناس ان تناقضا قد وقع بين ما كنت امره به من الاجتهاد وما اريده اليوم من النتيجة التي تفصح عن واقع امره.

وهكذا ينبغي ان تعلم بان الاراده لا تستلزم الامر ولا الرضى بالشيء المراد، وهذه ايضا من الزلات التي تاه فيها المعتزلة واضطربت اقوالهم فيها بين كر وفر

فإذا امعنت في هذا الذي ذكرناه ادركت ان الانسان في كل اعماله وتصرفاته الاختيارية انما يتحرك في دائرة الاراده الالهية لا يتخطاها وادركت ايضا انه لا تناف بين كون الانسان مختارا مريدا في تصرفاته هذه وبين كونه لا يتخطى الاراده الالهية، وليس الامر كما يظن بعض السطحيين ان فعل الانسان ما دام حاصلا بارادة الله فليس له فيه اذا حرية ولا كسب، ليس الامر كذلك الا اذا صح ان يقول التلميذ الراسب في امتحانه للاستاذ الذي امتحنه، انني مقهور على هذا الرسوب لانك قد اردت مني الرسوب عندما اردت امتحاني، والا اذا صح ان يقول الخادم لمخدومه: انني مقهور على ما بدر مني من الخيانة في معاملتك تحت سلطان ارادتك التي توجهت الى اختياري اطلاق يدي في التصرف بما لك وبدهي ان احدا من العقلاء لا يقول هذا الكلام ولا يقبل ان يسمعه

فإن قلت فهذا الذي تقوله مقنع ومفهوم لولا ان في القران ايه تبطل هذا المعنى الذي تقول اذا تدل على ان الانسان لا يملك لنفسه اي مشيئة الا بإذن الله ومشيئته وهي قوله تعالى( وما تشاءون الا ان يشاء الله ان الله كان عليما حكيما))

فالجواب: ان هذه الايه ليست الا اساسا ودستورا للكلام الذي ذكرناه فهي توضح بصريح العبارة ان الانسان ما كان ليتمتع باراده في كيانه يتجه بسرها الى اختيار ما يشاء من التصرفات والاعمال ولو لم يشأ الله عز وجل ان يضع في كيانه هذا السر العظيم وهذا امر واضح الثبوت فانا الان اختار ان احبس وقتي على كتابة هذه المباحث الهامة ولكن انى لي هذا الاختيار القائم على اعظم سر في كياني لو لم يكن الله عز وجل قد شاء ان يقذف في وجودي بعض فضله وكرمه شيئا من هذا السر العظيم والان وقد اكرمني الله فشاء ان يجعلني ذا اراده في تصرفاتي الاختيارية الست قد اصبحت اذا مريدا ومختارا وليست اعمالي التي اكتسبها ثمرة ارادتي هذه حتى مع العلم واليقين بانها دائرة في تلك الاراده الالهية ذاتها.

ووالله  اني لأعجب ممن يمسك بهذه الاية ثم يظل يحاول ان ينسف  بها اعظم هبة الهية للانسان بعد العقل الا وهي هبة الارادة والقدرة على الاختيار وليت شعري ماذا يفعلون وهم يحاولون هذه المحاولة بقوله تعالى(ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها) وبقوله تعالى(انا خلقنا الانسان من نطفة امشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا انا هديناه السبيل اما شاكرا واما كفورا)، وبقوله تعالى ( الم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين)

 

الاثار التربوية الايمان بالقدر

العزم والقضاء على التردد : ليس في المجتمعات البشرية امضى عزيمة من المؤمن بقدر الله فهو اذا ناقش الامور ورجح واستشار غيره واستخار ربه يمضي قدما فيما عزم عليه دون توقف او تردد او خوفا بيقينه لان جميع الظروف والاحتمالات التي يمكن ان تكون غير واقعة في طوقه وحسبانه هي مما وقع في علم الله وقدره وان الله مؤيده فاذا يسير له ما عزم عليه فهو الخير المقدر له او ليصرف عنه شرا كان محتملا .

عدم الندم او الحسرة على ما فات : فالمؤمن لا ينوح على الماضي بالتندم والتحسر لان ذلك لن يرد عليه شيئا مما فات ولانه انما حصل على ما كتب الله له ولا اعتراض على قدر الله ما دام وقع ولكن له ان يعتبر فيتوب من الخطا او الذنب ولا يلدغ من جحر مرتين .

الجراة امام الموت : اما الموت فلا يمكن لنفس ان تموت الا باذن الله بعد ان تستوفي اجلها الذي كتبه الله لها ( وما كان لنفس ان تموت الا باذن الله كتابا مؤجلا ) .

لذلك لا يحق للمؤمن ان يقول بعد ان يموت له قريب لو فعلنا كذا لما مات قال تعالى ( يا ايها الذين امنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لاخوانهم اذا ضربوا في الارض اكانوا غزى لو كانوا عندنا لما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حصرة في قلوبهم والله يحي ويميت والله بما تعملون بصير .

فاذا تربى المؤمن على الجراة امام الموت فقد اصبح جريئا اما كل شيء امام فقد مال او ولد او جاه او امام مرض او أي مصاب اخر ما دام يؤمن بانه مقدر من الله .

التفائل والرضا وقطع دابر التشاؤوم وهو تعليل المصائب بعلل او اسباب غير صحية كالتشائم من صوت البوم او كتشائم الكفار بانبيائهم مع ان كفرهم هو الذي كان شؤما عليهم كما قص الله علينا في صورة ( ياسين ) قول الكفار لانبيائهم قالوا ( انا تطيرنا بكم لان لم تتنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب اليم قالوا طائركم معكم )

قال ذكرت الطيرة عند رسول الله فقال ( احسنها الفأل وهو الكلمة الطيبة ولا ترد مسلما أي لا ترد مسلما عما عزم عليه فاذا راى احدكم ما يكره فليقل اللهم لا ياتي بالحسنات الا انت ولا يدفع السيئات الا انت ولا حول ولا قوة الا بك قال النووي حديث صحيح رواه ابو داود باسناد صحيح .

وكالتشائم من المرض مع ان له فوائد معنوية اهمها تهذيب النفس وتكفير الخطايا فقد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على ام السائب ( او ام المسيب ) فقال ( ما لكي يا ام السائب او ام المسيب تزفرين ؟ ) قالت الحمى لا بارك الله فيها فقال ( لا تسبي الحمى فانها تذهب خطايا بني ادم كما يذهب الكير خبث الحديد ) رواه مسلم عن جابر رضي الله عنه .

وكذلك لا يجوز التشائم من الزمان وحدواثه لقوله صلى الهل عليه وسلم فيما رواه عنه ابو هريرة لا يقولن احدكم يا خيبة الدهر فان الله هو الدهر ) رواه البخاري .

وكذلك نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن التشائم من الريح فقال فيما رواه عنه ابي بن كعب ( لا يسبوا الريح فاذا رايتم ما تكرهون فقولوا اللهم انا نسالك من خير هذه الريح وخير ما فيها ونعوذ بك من شر هذه الريح وشر ما فيها وشر ما امرت به ) رواه الترمذي وقال الحديث حسن صحيح .

وهذا كله يربي المؤمن على التعقل وعدم تعليل الامور حسب هواه ومصلحته بل يجب ان يعرف ان لكل ظاهرة كونية فوائد ومضار فيطلب فوائدها ويستبعد مضارها .

الايمان بالملائكة

من اركان العقيدة الاسلامية الايمان بالملائكة

قال تعالى : ( امن الرسول بما انزل اليه من ربه ....... ) الاية

وقال تعالى مثبتا ضلالة من يكفر بالملائكة ومن يكفر بالله وملائكته ورسله واليوم الاخر فقد ضل ضلالا بعيدا .

ولقد جاء الحديث عن الملائكة بالقران الكريم بمناسبات مختلفة في نحو خمس وسبعين ايه من نحو ثلاث وثلاثين سورة كما جاء في كثير من احاديث الرسول صلى الهل عليه وسلم التنصيص على ان الايمان بالملائكة جزء من اركان العقيدة الاسلامية منها :

ما جاء في عمر ابن الخطاب المتضمن اسئلة جربيل عليه السلام عن الاسلام والايمان  ........

كما جاء فيها اثبات ان الرسول صلى الله عليه وسلم قابل الملائكة .

وفي مقدمة الاحاديث المثبته لذلك احاديث بدا الوحي واستمرار نزوله على الرسول صلى الله عليه وسلم وهي متواترة المعنى .

وقد بين الرسول صلى الهل عليه وسلم ان غير الانبياء من المؤمنين الاتقياء ويمكن ان يقابلوا الملائكة في احوال خاصة .

فقد شكى حنظلة ابن الربيع للنبي صلى اللله عليه وسلم تغير حالة الايمان التي تعتريه وهو في مجلس الرسول يذكرهم بالنار والجنة وذلك حينما ينصرف الى اهله ويعافس الازواجوالاولاد والضيعات وظن ان ذلك نفاقا ، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم ( والذي نفسي بيده : لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طريقكم ولكن يا حنظلة ساعة وساعة ، ثلاث مرات ) رواه مسلم .

فمن انكر وجود الملائكة فهو منكر لكلام الله ورسوله كافر لا محالة اذ لا مجال للتأويل فالنصوص  واضحة صريحة قاطعة .

والعلم بوجود الملائكة مما هو معلوم من الدين بالضرورة عند جميع المسلمين حقيقة الملائكة وصفاتهم .

لا نستطيع ان نعرف من حقيقة الملائكة الا ما جائنا عن الرسول صلى الله عليه وسلم .

فمن صفاتهم الواردة : انهم مخلوقون من نور : عن عائشة عن رسول اgلله صلى الله عليه وسلم ( خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار وخلق ادم مما وصف لكم ) مسلم .

ان الملائكة قد يكونون معنا ولا نراهم :

فقد كان ينزل الملك (جبريل) عليه السلام بالوحي على رسول الله عليه السلام ولا يراه جلساء الرسول .

فعن ابي سلمة ان عائشة قالت قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم ( يا عائشة هذا جبريل يقراك السلام ، قالت وعليه السلام ورحمة الله وهو يرى ما لا ارى ) متفق عليه .

ان الملائكة قادرون على التمثل بامثال الاشياء والتشكل بالاشكال الجسمانية .

فقد ثبت ذلك بالقران الكريم والاحاديث الصحيحة منها ان جبريل كان يأتي الى مجلس الرسول او غيره كما يلي :

على صورة انسان مجهول : كما في حديث عمر (بينما نحن جلوس عند رسول الله .............. )

وكما في قصة مريم ونزول جبريل عليها بصورة بشر سويا .

او على صورة انسان معلوم :

فكثيرا ما كان يأتي الرسول على صورة دحية الكلبي احد اصحاب رسول الله .

وقد جاء بالتصريح بقدرة الملائكة على التمثل بالاشكال الجمسانية في القران في عدة قصص .

منها قصة ضيف ابراهيم ( هل اتاك حديث ضيف ابراهيم المكرمين ...........

ومنها قصة الملائكة الذين جاءوا الى نبي الله لوط عليه السلام جاؤوه على صورة شباب مرد حسان ( ولكا جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب ............. )

ومنها قصة الملكين اللذين تسوروا المحراب على داود عليه السلام : ( وهل اتاك نبؤ الخصم اذ تسوروا المحراب ... )

ومن صفاتهم ان لهم قدرات خارقة فقد ثبت للملائكة في القران الكريم والسنة قدرات عجيبة باقدرا الله لهم :

فمنهم على قلة عددهم يحملون عرش الرحمن ( والملك على ارجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ) .

وفي الحديث ( اذن لي ربي ان احدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش ان ما بين شحمة اذنه الى عاتقيه مسيرة سبعمائة عام ) ابو داود .

ومنهم من ينفخ نفخة يصعق لها من السموات والارض ( ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الارض ) .

وفي الحديث ( كيف انعم وصاحب الصور قد التقته واصغى سمعه وحتى جبهته ينتظر متى يؤمر بالنفخ ، قالوا يا رسول الله وما تامرنا؟ قال: قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل ) الترمذي

ورسل لوط قلبوا ارض قومه عليها سافلها دفعة واحدة .

ومن صفاتهم الطاعة لله تعالى ومبادرتهم لامتثال امره وهذا معنى عصمتهم عن المعاصي .

وقد وصفهم الله بانهم لا يستكبرون عن عبادته ولا يتعبون منها وانهم يسبحون ربهم دائما من غير انقطاع (وله من في السموات والارض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون ) الانبياء .

ومنصفاتهم انهم لا يتناكحون ولا يتناسلون ولكنهم عباد الرحمن أي مخلوقون لله دون وساطة تناسل فقد ذم الله الكافرين الذي جعلوا الملائكة اناثا ( وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن اناثا اشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسئلون ) الزخرف .

ومن صفاتهم ان الله جعل منهم الرسل الكرام للقيام بتبليغ الشرائع للانبياء ( الحمد لله فاطر السموات والارض جاعل الملائكة رسلا اولي اجنحة مثنى وثلاث ورباع ) فاطر

ومن صفاتهم انهم قادرون على الصعود والبهوط بين السموات والارض من غير تأثير بجاذبية او تصادم ) تعرج الملائكة والروح اليه في يوم كان مقداره خمسين الف سنة ) المارج .

ومن صفاتهم الخوف من الله تعالى ( وسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ) الرعد

ومنصفاتهم انهم مخلوقون قبل هذه السلالة من البشر والدليل قصة خلق ادم الثابته في القران الكريم .

ومن صفاتهم ان منهم اولي اجنحة مثنى وثلاث ورباع (الحمد لله فاطر السموات والارض جاعل الملائكة رسلا اولي اجنحة ) فاطر .

اعداد الملائكة

والملائكة لا يحصون عددا في علم المخلوقات لكثرتهم الكاثرة ولانهم من جنود الرحمن ( وما يعلم جنود ربك الا هو ) .

وقد جاء في الحديث النبوي ( اطت السماء وحق لها ان تئط ما فيها موضع قدم الا وفيه ملك ساجد او راكع ) .

اطت : أي صوتت لكثرة الملائكة فيها .

اصناف الملائكة ووظائفهم

وقد جاء في النصوص الشرعية ان الملائكة اصناف كما ثبت ان لكل منهم وظائف وفيما يلي طائفة من ذلك :

اكابر الملائكة : ومنهم جبريل وميكائيل (ميكال)

من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فان الله عدو للكافرين ) البقرة

اما جبريل : فهو صاحب الوحي الى الانبياء والرسل

اما ميكال : فقد ورد انه صاحب ارزاق العباد الموكل بها .

ومن جملة اكابر الملائكة اسرافيل وملك الموت .

اما اسرافيل : فقد ورد انه صاحب الصور ( ونفخ في الصور فصعق من في السموات والارض الا من شاء الله ثم نفخ فيه مرة اخرى فاذا هم قيام ينظرون ) الزمر .

اما ملك الموت : فهو رئيس ملائكة الموت .

حملة العرش : ( والملك على ارجائها ويحمل عرش ربك فوقهم ...... ) الحاقة

الحافون حول العرش : وترى الملائكة حافين من حول العرش ........ الزمر

ملائكة الجنة : (جنات عدن يدخلونها ومن صلح من ابائهم وازواجهم وذرياتهم والملائكة ......... ) الرعد

ملائكة النار: واسمهم الزبانية ( وما ادراك ما سقر ........... ) المدثر

كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية ) العلق .

ورئيس ملائكة النار وخازنها اسمه (مالك) (ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك) الزخرف

الموكلون ببني ادم : وهؤلاء اصناف ولكل صبف منهم وظائف :

فمنهم الموكلون بنفخ الارواح في الاجنة وكتابة مستقبل اعمالها واجالها وارزاقها وسعادتها او شقائها ( ان خلق احدكم يجمع في بطن امه اربعين يوما نطفة .. ) البخاري ومسلم

ومنهم الموكلون بمراقبة اعمال المكلفين وحفظها واحصائها وتسجيلها وكتابتها في صحف الاعمال :

ولكل انسان موكلان من الملائكة بمراقبة اعماله وتسجيلها ( اذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد )

كلا بل تكذبون بالدين وان عليكم لحافظين .......... ) الانفطار

ومنهم المعقبات الحفظة : الذين يحفظون الناس بامر الله ومن شر كل ذي شر خفي او ظاهر فلا يصيب الانسان شيء منها الا اذا كان فيه قضاء وقدر من الله تعالى ( قل لن يصيبنا الا ما كتب الله لنا )

له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من امر الله ) الرعد .

ومنهم ملائكة الموت : الموكلون بقبض الارواح ( وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى اذا جاء احدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون ) الانعام

كما جاء التعبير عنه بملك الموت ( قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ) السجدة

وقد قسم الله ملائكة الموت الى قسمين : النازعات والناشطات

قال المفسرون: النازعات : التي تنزع ارواح الكافرين بشدة وعنف وتعذيب

والناشطات : الملائكة التي تاخذ ارواح المؤمنين برفق ولين ( والنازعات غرقا والناشطات نشطا )

الموكلون بامور اخرى في هذا العالم الدنيوي :

وقد يكون من هذا الصنف : الصافات، الزاجرات، التاليات ذكرا، والذاريات، والحاملات وقرا، والجاريات يسرا، والمقسمات امرا ، اذا فسرت بانها زمر من الملائكة .

اثر الايمان بالملائكة :

الطاعة: (الذين هم عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بامره يعلمون ) (فسجد الملائكة كلهم اجمعون)

وما حدث من هذه المخلوقات العظيمة يدعو المؤمن لانه يتشبه بها في الطاعة المطلقة لله وسرعة الاستجابة لامره جل شانه .

والعمل الصالح المتواصل والتحرز من المعاصي :

من استقامة ووفاء بالعهد ومحافظة على الميثاق ...

فاذا قام المؤمن بهذا الاعمال الحسنة فان الملائكة تتنزل عليه ( ان الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ) .

فالايمان بالملائكة يدفع المؤمن الى المزيد من الاستقامة والعمل الصالح ليفوز بسعادة الدنيا والاخرة .

الابتعاد عن المعاصي حياء من الملائكة : الذين كلفهم الله بحفظ الانسان ( وما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد ) .

الشجاعة والثبات في المعارك : فالمؤمن في المعركة يحس ان الله معه واخوانه الملائكة ( اذ تقول للمؤمنين الن يكفيكم ان يمدكم ربكم بثلاثة الاف من الملائكة مسومسن9

طلب العلم : (من سلك طريقا يطلب علما سلك الله به طريقا الى الجنة ) النسائي

واعلم انه لا رتبة من تشتغل الملائكة بالاستغفارؤ والدعاء له .

الايمان بالكتب السماوية

من اركان العقيدة الايمان بالكتب السماوية

فالله يخاطب رسوله ويامره ان يعلن ايمانه بجميع الكتب ( وقل امنت بما انزل الله من كتاب ) وقال تعالى يخاطب المؤمنين ( يا ايها الذين امنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي انزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته ورسله واليوم الاخر فقد ضل ضلالا بعيدا)

وقال مبينا عقيدة الرسول وعقيدة المؤمنين ( امن الرسول بما انزل اليه من ربه ... ) البقرة

حاجة الناس الى كتب سماوية :

الناس هم بحاجة ماسة الى كتب سماوية وذلك لامور منها :

اولا : ليكون الكتاب الرباني المنزل على الرسول هو المرجع لامته مهما تعاقبت العصور .

ثانيا ليكون الكتاب الرباني هو الحكم العدل لامته في كل ما يختلفون فيه مما تتناوله احكام الشريعة

ثالثا ليصون الكتاب الرباني بعد عصر الرسول عقائد الدين وشرئعه وغاياته .

واستمرار الكتاب الرباني في امة الرسول بمثابة استمرار وجود الرسول .

رابعا : وليحفظ الكتاب الرباني لدعوة الرسول ولرسالته تأثيرها وسريانها وقابليتها للاتساع والانتشار الكتب السماوية التي يجب الايمان بها

القران الكريم

بعث الله نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم وانزل عليه القران كتابا معجزا

تكفل بحفظه من أي تحريف او تبديل او زيادة او نقصان

لا ينكر انه كتاب من عند الله تعالى منصف نظر في دلائك اعجازه المعنوي او اللفظي

ويتخلص ذلك في حقائق ثلاث مع براهينها

الحقيقة الاولى ان القران كتاب من عند الله وقد ثبت ذلك بكل من الدليلين العقلي والنقلي

اما الديلي العقلي : فهو ما تضمن من وجوه الاعجاز بحيث لا تتطاول القدرات الانسانية مفترقة او مجتمعة الى الاتيان بمثله .

واما الدليل النقلي : فهو ما ثبت في ايات القران نفسه انه من عند الله وليس من كلام محمد صلى الله عليه وسلم .

الحقيقة الثانية : ان القران اخر الكتب  السماوية انزله الله على خاتم رسله محمد صلى الله عليه وسلم وقد ثبت ذلك بالدليل النقلي وهو التواتر القطعي الدلالة الذي لا يرقى اليه شك

الحقيقة الثالثة : ان القران محفوظ بحفظ الله من كل تحريف او تبديل

وقد ثبت ذلك بدليل الخبر المتواتر عن الرسول صلى الله عليه وسلم

كما ثبت ايضا ببرهان التجربة والمشاهدة في كل عصر

صحف ابراهيم عليه السلام

هذه الصحف مفقودة فلا يعرف منها شيء الا بعض حقائق في الدين

اشار القران اليها ( ام لم ينبأ بما في صحف موسى وابراهيم الذي وفى . ) النجم

ان هذا لفي الصحف الاولى صحف ابراهيم وموسى ) الاعلى

التوراة

هو الكتاب الذي انزله الهل على موسى عليه السلام

ويتضمن على الارجح الصحف التي انزلت عليه والالواح التي جاء بها بعد مناجاته لربه في جانب الطور

قال تعالى ( نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وانزل التوراة والانجيل من قبل هدى للناس . ) ال عمران

لكن التوراة التي صدق بها القران انما هي الاصول الاولى التي انزلها الله على موسى عليه السلام

اما التوراة الحالية الموجودة فليس لها سند متصل يصحح نسبتها الى موسى عليه السلام

كما دخل اليها التحريف والتبديل لذلك لا يصح ان يوثق بها

الزبور

وهو الكتاب الرباني الذي انزله الله على داود عليه السلام

والزبور لغة : هو الكتاب المزبور أي المكتوب

قال تعالى ( واتينا داود زبورا )

وقال ( ولقد كتبنا في الزبور من بعد لذكر ان الارض يرثها عبادي الصالحون )

قال ابو هريرة ( الزبور ما انزل على داود من بعد الذكر من بعد التوراة )

والزبور يقال فيه ما قيل في التوراة

الانجيل

هو الكتاب الرباني الذي انزل على عيسى عليه السلام

قال تعالى ( نزل عليكالكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وانزل التوراة والانجيل . ) ال عمران

لكن الانجيل الذي صدق به القران انما هو الكتاب الذي انزل الله على عيسى بأصوله الصحيحة الاولى

اما الاناجيل الحالية الموجودة عند اهل الكتاب فلا يعرف لها سند متصل

واحسن ما يقال فيها انها مصنفات تاريخية حول سيرة المسيح وبعض وصاياه ومواعظه ومعجزاته لكن فيها الكثير من الاغلاط والمتناقضات

موقف البحث العلمي من كتب العهدين القديم والجديد

اثبت المحققون من العلماء والشراح والمحدثون للكتاب المقدس الجامع للعهدين القديم والجديد انه ليس لاي سفر من اسفار العهدين سند متصل يصحح نسبة ذلك السفر الى من نسب اليه من الانبياء او الرسل او غيرهم وفق طريقة علمية صحيحة

اثبت المحققون المتتبعون لاسفار العهدين القديم والجديد وجود نسبة كبيرة من الاغلاط والاخطاء التاريخية فيها والتناقضات بين نصوصها واوردوا على ذلك امثلة تطبيقية كثيرة

من الثابت عند مؤرخي اهل الكتاب ان التوراة والزبور وسائر كتب العهد القديم التي كانت قبل (بختنصر ) عند اليهود قد فقدت فقدا تاما حين تسلط بختنصر ملك بابل ( العراق) عليهم

وذلك حوالي عام ( 586 ق.م)

ويزعم اليهود ان (عزرا) الكاهن اعاد كتابتها بالالهام بعد ان سمح له قورش ملك الفرس لذي قهر البابليين واحتل بلادهم بالعودة من منفاهم في بابل الى فلسطين حوالي عام 538ق.م أي بعد نحوز خمسين سنة في المنفى ببابل

ان الانجيل الرباني الذي انزله الله على عيسى عليه السلام قد فقد فلم يبق له اثر منذ العصور الاولى للديانة النصرانية وقد اشارت اليه بعض فقرات وردت في انجيل متى ومرقس وبعض رسائل بولس كما حقق ذلك العلماء

مرت على المسيحيين ادوار من الاضطهاد الديني كان يخف ويشتد من حين لاخر وذلك منذ رفع المسيح حتى اوائل القرن الرابع الميلادي

هذا الاضطهاد جعل المسيحيين في هذه الاحقاب يستخفون بدعوتهم ويفقدون كثيرا من كتبهم ويجعل ديانتهم عرضة للضياع والتحريف

كما جعلهم طوائف عديدة وفرقا متباينة في مذاهبها الاعتقادية

اعتنق الامبراطور الروماني ( قسطنطين الاول الاكبر ) الديانة النصرانية في سنة 312م فعطف على المسيحيين وسمح لهم باعلان طقوسهم

وهو الذي اقر فكرة الوهية المسيح بعد مجمع نيقيه

لهذه الاسباب كلها او بعضها نستطيع ان نثبت بالبحث العلمي المتجرد انه لا يصح الثقة العلمية بأي نص من نصوص كتب العهدين القديم والجديد .